أخلاق الأعراب

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

أكره قول هذا ؛ ولكن كل من سافر إلى ديار “الكفار” لمس روح التحضر في تعاملات الناس ووجود فرق واضح ــ بيننا وبينهم ــ حتى في بشاشة الوجه وحسن الاستقبال .. وحين أعود بالذاكرة الى الوراء أتذكر مواقف كثيرة نبيلة من “أهل الكتاب” تؤكد أنهم (ليسوا سواء) .. فهناك مثلا الطالبة التي حذرتني من لحم الخنزير في البـيـتـزا ، ومدير المعهد “اليهـودي” الذي بعث لي شهادتي المفقودة الى السعودية، والجامعة التي غيرت جداول المحاضرات لإخلاء القاعة لصلاة الجمعة، والراهبة التي أهدتني أربع أشرطة صوتية لكبار القراء في مصر…

وأنا اليوم لست في موقف المقارنة بين ثقافتين بل لفت الانتباه الى دور التحضر المادي (وربما الموقع الجغرافي) في تلطيف أخلاق الناس وكيف أن رقي التشريع لا يعني بالضرورة رقي المجتمع ذاته .. فـتشريعـنا الإسلامي مثلا تشريع راقٍ وعظيم ولكن يبقى السؤال إن كنا قد تهذبنا بأخلاقه أو ظهر أثره في تعاملاتنا اليومية ــ خصوصا حين نتذكر أخلاقيات بعض الموظفين في الدوائر الحكومية .. وفي المقابل بـلورت المجتمعات الغربية أخلاقا أسلامية في أصلها كالأمانة وطلاقة الوجه والوفاء بالمواعيد والتعامل على أساس الثقة دون أن تملك لها مرجعية دينية أو تاريخية!

.. المغالطة التي نقع فيها دائما فـهي تعمدنا وضع الـغـرب في قالب سلبي “مسـبق الصب” متجاهلين أن تعميم الأحكام أمـر خاطئ والاستشهاد بالاستثناءات أمر لا يجوز .. فالآراء السلبية والمتحيزة يمكن تدعيمها بسهولة بنماذج شاذة ومنتـقاة بدقة (بحيث تبدو فرنسا كبيت دعارة وأمريكا كأوكار المافيا) في حين يفـترض أن نبـلور آراء واقعية من تعاملات الناس العادية والمتوسط العام للمجاملة وسعة الصدر (بــل وحتى أفضلية المرور واحترام المشاة)..

والشهادة لله إن مستوى اللطافة ورقي التعامل وطلاقة الوجة (بين عامة الناس في الغرب) يرتفع عما هو لدينا بكثير ؛ ففي حين أخذنا نحن من الصحراء قساوتها وغلظتها لطفت الطبيعة الجميلة والحضارة المترفة من أخلاق الناس هناك .. وشهادتي هذه ليست الأولى ولا الوحيدة من نوعها حيث سبقني إليها مونتيسكيو وأفلاطون وابن خلدون الذي لاحظ جلافة الأعراب وغلظة تعاملهم مقارنة بسكان المناطق الباردة والمعتدلة في مقدمته العظيمة …

المؤكد ــ وهذا هو الخبر السعيد ــ أن مظاهر الترف والمدنية التي نعيشها اليوم (بما في ذلك التكييف الذي خفف من قساوة الصحراوية) خفف أيضا من قساوة الأخلاق وجلافة الأعراب..

والأعراب بالمناسبة كلمة وردت في القرآن الكريم في سياق البداوة والجلافة والبعد عن مصادر الهدي والتشريع (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله).

Leave a Reply

*