أكاذيب في تاريخ الأدب

عبدالله الجعيثن – جريدة الرياض

قال لي صديق إنه حضر مناقشة رسالة دكتوراه في التاريخ، وفوجئ الحضور أن أستاذاً كبيراً متخصصاً في التاريخ، من لجنة المناقشة، بدأ برفع الرسالة الكبيرة حجماً وقال للطالب : – يابُنيّ، هل تريد أن نعطيك درجة الدكتوراة في هذه الأكاذيب؟!

وضجّت الصالة بالضحك واصفرّ وجه الطالب لهذه البداية المخيفة التي لا تُبشِّر بخير، ولكن الأمر جرى بسلاسة وتم منحه الدكتوراة بامتياز وبدرجة الشرف!

ومن السائر المأثور أن (التاريخ يكتبه المنتصر) ولكن هذا ليس صحيحاً بالمطلق، فشواهد التاريخ باقية، وقوانينه معروفة، وقد أسهب فيها العلامة ابن خلدون ، وسفّه كثيراً من الأكاذيب التي رواها المسعودي مثلاً، مما يتعارض مع العقل والفكر السليم ..

قلت : والتاريخ الأدبي بالذات أكثر عرضة للأكاذيب والإضافات والانتحال، لكونه يقوم على المبالغة والطرافة والخيال، وأقرب مثال على ذلك كتاب (الأغاني) الشهير، الذي فيه تشويه ممنهج كبير لهارون الرشيد والمأمون والأمويين قبل ذلك، وتصويرهم غارقين في اللهو والترف والملذات والطرب، حتى (فحص الخليفة الأرض بقدميه من شدة الضحك واستلقى على قفاه مقهقهاً) كما يرد في بعض العبارات، بل أنّ صاحب الأغاني يستحضر إبليس لعنه الله ويجعله يُملي لحناً طروباً على إبراهيم الموصلي اهتزت له الجدران طرباً، وماج معه المكان والزمان، ثم اختفى إبليس فجأة (فصّ ملح وداب) فأسرع إبراهيم إلى هارون الرشيد وأسمعه اللحن قبل أن ينساه! وقال له إن إبليس زاره شخصياً وأملاه اللحن فقال الخليفة: ليته آنسنا بحضوره!! إلى آخر هذه الخرافات!

يُضاف إلى ذلك أن من طبيعة الشعوب كافة إضافة المزيد من الطُّرَف والأساطير على كل من اشتهر بأمرٍ ما، فأبو دلامة وجحا وأشعب أُلِّفت في طرائفهم مجلدات أكثرها من نسج الخيال، وكذلك الأمر في الحب القاتل كحال مجنون ليلى وجميل بثينة وكُثيّر، وغيرهم كثير من شعراء الحب العذري، إن الأساطير تتداخل مع الحقائق في التاريخ الأدبي بشكل يجعل ذلك التاريخ أكثر إثارة ولكنه أقل صدقاً وواقعية.

Leave a Reply

*