إن كان هناك فضل.. فهو للغراب

عامود المجلس

اتفق علماء الآثار والمؤرخون على أن القرن 3500 ق.م يعتبر القرن الحاسم  في تاريخ البشرية، ومنه تم اطلاق اسم أي حدث قبل هذا التاريخ بما يُعرف الآن “ما قبل التاريخ”.

فماذا حدث في ذلك القرن الذي جعل له أهميةً قصوى؟ والجواب هو أن الإنسان اخترع الكتابة لأول مرة في تاريخه. وقد يبدو للذهن أنها كانت كتابات متطورة، ولكن بالعكس فقد كانت بدايات بدائية للغاية ومضحكة . وكان الدافع لاختراعها  اقتصادي بحت، حيث وجد الإنسان نفسه بحاجة للعَدِ والتدوين. ومنذُ ذلك الوقت تطورت الكتابات عبر القرون إلى أشكال ورموز. ويقول علماء الآثار أن التطور كان تدريجي، ولم يكن محصوراً في حقبة معينة أو حضارة محددة، بل ساهمت جميع الشعوب في تطويره.

وما حدث على تطور الكتابة ينطبق تماماً على ما تعلمه واخترعه الإنسان، فاختراعات واكتشافات الإنسان امتدت عبر قرون، واستفادت كل أمة من علوم واكتشافات من سبقها، ، وهكذا استمر نمط الحياة. فلا يمكن لأي قوم أو حضارة الزعم أنها انفردت دون الاستفادة ممن قبلها. 

ولكن قد يكون أن الاختراعات والاكتشافات وتطور العلوم انتشر واشتهر لدى حضارات اكثر من غيرها، وهذا يحدث عندما تجد الشعوب أرضية خصبة للتطور، من الاطمئنان والأمان والرخاء الاقتصادي. فهذه عوامل مهمة للرقي الفكري، والعكس صحيح ففي زمن الحروب نجد انحصار العلوم، ويضمحل رقي الإنسان وينطبع ذلك ليس فقط على العلوم، بل حتى على سلوكه واخلاقه. ومن اكبر الشواهد على رقي العلوم المنقطع النظير، حقبتي الحضارة الإغريقية، والحضارة الإسلامية. فنجد انفجار هائل في العلوم خلال الحكم العباسي نبع من اهتمام هارون الرشيد وابنه المأمون، ونجد ذات الاهتمام في قرطبة الإسلامية ومدينة فاس المغربية، حيث كانت بغداد وقرطبة وفاس تمثل اقطاب العلم في العالم في ذلك الوقت. ولا شك أن ذلك النمو الهائل في العلوم اعتمد بدرجة كبيرة على تطوير ما انتجته الحضارات التي سبقت الاسلام، كما أن الحضارة الغربية اعتمدت بدرجة كبيرة على ما انتجته الحضارة الاسلامية.

ولو اردنا أن نضع تمثالاً يجسد المعلّم الأول للإنسان فلا شك أنه سيكون تمثالاً لغراب، فأول درس تعلمه ابن آدم هو درس الغراب الذي تعلم فيه كيف يواري جثة أخيه المقتول.

يوسف العوهلي