الأستاذ

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

الرجل الكريم لا تنكشف كل أوراقه إلا بعـد وفاتـه.. ولـم تمضِ على وفاة الأستاذ تركي سوى أيام كـشفت في شخصيته جوانب رائعة لم نسمع بها من قبل..

لكل شخص في الوسط الإعلامي أكثر من قصة تستحق السرد مع الأستاذ تركي.. قصتي الأولى بدأت عام 2000 حين وصلت إلى طريق مسدود مع صحيفتي السابقة فأتاني منه اتصال يدعوني للعمل في “الرياض”.. قلت له: اتصالك أتى في الوقت المناسب، فقال خلاص اتفقنا وحنعطيك ضعف راتبك (دون أن يسألني كم كان أصلاً)..

وفي عام 2006 قررت الاستقالة من عملي الحكومي، ولكنني فضلت الاتصال بـه أولاً للتأكد من منحي وظيفة رسمية في الصحيفة، فقال بلا تردد: اذهب اليوم لتقديم استقالتك وإحنا نعوضك حتى عن راتبك الحكومي (وبالفعل هذا ما حصل)…

وخلال سبعة عشر عاماً منع لي سبع مقالات لم أدرك إلا متأخراً أنها كانت لصالحي.. كان ينظر لأبعد من الكتاب والمحررين ويدرك تداعيات أي مقال أو تقرير على صاحبه، ناهيك على سمعة الوطن ورموز البلد..

لو سألت من عملوا معه لسمعت قصصاً مشابهة عنوانها الوفاء والشهامة والدفاع عن الحقوق. كان حريصاً على استقطاب الموهوبين ومنحهم وظائف رسمية الأمر الذي جعل صحيفة “الرياض” من أكثر الصحف حرفية واستقطاباً للكفاءات.. كان يؤمن أن من حق العاملين في الصحيفة المشاركة في أرباحها ونجاحاتها فمنح المتميزين أسهماً مجانية في مؤسسة اليمامة ذاتها (رغم صعوبة ذلك كونها مؤسسة مغلقة).. ذات يوم فوجئت بنزول راتب إضافي في حسابي لم أعلم له سبباً، وحين استفسرت علمت أنها مكافأة طالت جميع العاملين في الصحيفة -حتى أفراد السكرتي- بسبب فوزها بجائزة التميز الإعلامي في الأردن!!

كان يقف في وجه المدفع ويتحمل مسؤولية ما ينشر ويعرف جيداً أن هناك من لا يفهم دوافع قراراته.. اتهم بكل شيء خلال حياته المهنية الطويلة، ومع هذا ظـل نزيهاً ومحايداً يقف على مسافة واحدة من الجميع.. كانت حياديته ونزاهته خياره الشخصي لقيادة صحيفة يومية تنشر مختلف الأفكار والآراء والتقارير.. هناك أسماء معروفة اختلفتْ معه، ومع هذا فتح لها باب الكتابة وإبداء الرأي واعتبر هذا من أبسط حقوقهم (رغم أنه منعني شخصياً من حق الـرد على شيخ جليل بحجة أنه شخصية اعتبارية).. كان يدرك وجود من يسيء إليه (خصوصاً مع انبثاق عصر التغريدات المسيئة) ومع هذا لم يستغل زاويته أو صحيفته للدفاع عن نفسه.. بـل ورفض عرض أبنائه إنشاء حساب في تويتر للرد عليهم أو الدخول معهم في جدل بيزنطي..

رحم الله الأستاذ تركي، عاش كبيراً ومات كبيراً.. والكبير لا تنكشف كل أوراقه إلا بعـد وفـاتـه..

Leave a Reply

*