الأسعار بين الحكومة والمواطن

د. جاسر الحربش – صحيفة الجزيرة

أعرف أن السعودية لا تطلب استشارات من صندوق النقد الدولي، لكن الشيء بالشيء يذكر. النصيحة الجاهزة عند هذا الصندوق هي رفع الأسعار لتحسين عوائد الدولة. لم تكسب دولة واحدة قلوب مواطنيها بهذه الوصفة ولم تحقق تنمية مقنعة.

حالياً يتحدث المواطن السعودي عن الغلاء، وكلمة غلاء اشتقاق لغوي من المغالاة، التي تعني فقهياً رفع السقف التعبدي فوق مقاصد الدين، واقتصادياً رفع السعر على البضائع، ويوجد فرق كبير بين السعر المتدني والمعقول والمغالي. عموماً رخص الأسعار يخلق مساراً انحدارياً تخسر فيه الدولة الأموال على دعم الاستهلاك ويخسر فيه المواطن ما يستهتر به في التبذير والفخفخة.

لكن السؤال: هل يزيد رخص الأسعار في دولة ما من شعبية الحكومية ؟. عندما تحاول الحكومات كسب قلب المواطن مقابل حصوله على بضائع رخيصة تساهم في تحويله إلى عالة اتكالية غير منتجة يغطي الكثير من ممارساته العبثية بالاستيراد الخارجي، بما في ذلك العمالة والخدمات. كل وطن بهذه المواصفات يدخل نفسه في تغذية طفيلية مع عناصر أجنبية تستغفله وتسحب أمواله وتعطل تنميته، ورخص الأسعار يشبه الدم المنقول إلى الدورة الدموية من خارجها ولا يوفر للجسم متطلبات العافية على المدى الطويل، وليس في رخص الأسعار المدعومة بهذه الطريقة ما يوفر التناغم بين المواطن والدولة.

سؤال آخر، هل يكفي تعهد أية حكومة لمواطنيها بمستقبل أفضل لجعلهم يتقبلون أسعاراً فوق قدرات الغالبية السكانية تربك ارتباطاتهم ومديونياتهم والتزاماتهم السابقة. ثلاثة أسباب تدعو للتفكير في صعوبة ذلك، الأول هو شعور الصدمة المفاجئة بعد استرخاء طويل، والسبب الثاني هو الاعتقاد بقابلية الوعود للتكيف مع أية مستجدات اقتصادية قادمة سلباً وإيجاباً، والسبب الثالث والأهم هو توفر الإمكانية لتغطية احتياجات الميزانيات والمشاريع من الضرائب التصاعدية على الأثرياء الكبار، ومن استعادة أموال الفساد الطائلة المكدسة في بنوك العالم.

إذاً: ما هو المستوى المطلوب لتحقيق المقاصد من رفع الأسعار ؟. المطلوب هو السعر المعقول الذي يقع في منطقة تحقق الفائدة للطرفين، المواطن والحكومة، أي السعر الذي يردع المسرف عن الاستهلاك العبثي ويخفف من أعباء الدعم الحكومي على الميزانية العامة ويوفر بعض الأموال للمشاريع.

عندما ترفع الحكومة أسعار مواد استهلاكية غير مفيدة ولا ضرورية (وهذه كثيرة جداً) بنسب مئوية معقولة يكون القرار في الصالح الوطني العام، وعندما ترفع أسعار مواد أضرارها مؤكدة وفوائدها معدومة مثل التبغ والمشروبات الغازية والعطور والمساحيق بنسب مئوية كبيرة يبقى القرار كذلك مقبولاً ومفيداً لكل الأطراف، لكن عندما ترفع الحكومة سعر سلعة ضرورية كالوقود والكهرباء والماء، وربما كاحتمال مستقبلي الطحين والسكر والزيت والقماش برفع الدعم عنها، يصبح الوضع موجعاً جداً لمحدودي الدخل، أي الغالبية السكانية.

في الحالتين الأولى والثانية يزداد التناغم بين المواطن والدولة لتحقق مصالح الطرفين، وفي الحالة الثالة ينتصب الحاجز المعنوي والمادي بين المواطن والحكومة، ورفع سعر البنزين إلى الضعف يحكي واقع الحال وأصبح حديث المجالس والإعلام المعادي في الخارج.