الأمر أبسط مما تصورتم

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

من يعترضون على قيادة المرأة للسيارة يعتقدون أنهم يملكون حججاً حقيقية.. ولكنها في الحقيقة ليست «حججاً» بل مواقف تربوية نشؤوا -ونشأنا- عليها.. فقضية كهذه من المسلمات التي لا تشغل أصلاً شعوب العالم.. لم يتحدث بها أحد من فقهاء الماضي لأنها أمر بديهي وطبيعي ومشاهد منذ الأزل…

ورغم أن القضية محسومة شعبياً لصالح قـرار السماح (كما تثبت ذلك وسائل التواصل الاجتماعي) سأحـاول اليوم تفنيد حجج المعارضين والفرضيات التي يتمسكون بها (وتذكروا دائماً أنني مثلكم أملك زوجة وبنات وأخوات):

لنبدأ أولاً بحقيقة أنه لا يوجد نص شرعي لا في القرآن أو السنة يتحدث أصلاً عن هذه المسألة..

وبناء على القاعدة الشرعية (الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم) يصبح الأصل في قيادة المرأة للسيارة الإباحة وليس التحريم…

وحين ينتفي النص تصبح المسألة اجتهادية وخلافية، وفي هذه الحالة يحق للحاكم أو ولي الأمر اختيار ما فيه مصلحة الرعية (وهذا بحسب القواعد الفقهية).. وما يعزز موقف الحاكم في هذه المسألة بالذات أن هيئة كبار العلماء لم يكن لها في الأصل قرار أو فتوى رسمية تمنع المرأة من قيادة السيارة حتى تتراجع عنه (بحسب تصريح متحدثها الرسمي يوم 27 سبتمبر الماضي على قناة العربية).. رأيها الرسمي الوحيد في المسألة صدر في نفس اليوم (27 سبتمبر) ويفيد بموافقة أغلبية أعضائها على هذا القرار..

ورغم هذا ما يزال هناك من يصر على إقحام الدين في هذه القضية.. يحاول تعويض انتفاء النص الشرعي باختلاق ذرائع وهمية ودراسات مفبركة وأدلة مفضوح زيفها.. لا يجد غير ادعاءات هزلية (مسيئة للدين) مثل المرأة بربع عقل، والقيادة تضر المبايض، والمكينة ترتفع الهرومن الذكوري…….

ولكن الحقيقة هي أن المرأة (وكما تثبت إحصائيات الدول الأخرى) هي الأكثر تقيداً بقوانين المرور والأقل ارتكاباً للحوادث والممارسات المتهورة – وهي أرقام تتسق مع حقيقة أن الرجال هم الأكثر عـنفاً وجرماً وتهوراً وممارسة للقتل ودخولاً للسجن في جميع الدول…

ومن الحجج التي نسمعها كثيراً أن منع المرأة من القيادة هدفه حمايتها من الاعتداء عليها..

أولاً.. لماذا نفترض أننا مجتمع من «الذئاب» لا هم له سوى مهاجمة النساء في الشوارع؟.. لماذا ننسى أننا شعب أصيل وأهل نخوة وأن جميع الناس سيكونون خير عون للمرأة في الطريق.. هذه الحجة واهية جداً وتحاول فرض وصاية على الشعب.. أكثر ندرة من احتمال تعرضها للأذى حين تسير وحدها في الشارع أو تقف بانتظار السائق أو التاكسي أو باص الجامعة.. العكس هو الصحيح تماماً، حين تقود سيارتها بنفسها ستكون أكثر أماناً (كونها داخل حرز بحسب التعبير الفقهي) وكون وزارة الداخلية ستكون المسؤولة عن حمايتها في هذه الحالة!

أما الحجة القائلة بأن قيادة المرأة ستزيد من ازدحام الشوارع ؛ فهذه ليست مشكلة المرأة بل مشكلة البلدية وسوء التخطيط العمراني.. ومع هذا أطمئنكم بأن قيادة المرأة للسيارة ستخلصنا من مليوني سائق و100 ألف تكسي وتوفر علينا 14 مليار ريـال كرواتب (بل وتوفر لمدرساتنا وموظفاتنا 35 % من رواتبهم التي لـن يدفعها لهن من يعترض على هذا القرار)…

ستثبت الأيام أن السماح بقيادة المرأة سيصب لصالح المتحفظين كونه سيخرجنا من مأزق ركوبها مع سائق أجنبي أو شاب غريب أو عابر سبيل.. له مآرب أخرى.. قرار شجاع لن يحفظ فقط كرامة المرأة بل ويخلق لها فرص عمل في قطاع النقل والمواصلات- من خلال التصريح مثلاً لتكسي نسائية، أو حكر قيادة باصات المدارس على النساء فقط…

مازلت أحترم أراء المعارضين ولكنني أقول لهم: انتظروا لعامين فقط وستكتشفون أن القضية أسهل بكثير مما كنتم تتصورون .. ستكتشفون أننا كنا مبالغين جداً في ظنوننا السيئة – وبنسبة أكبر من قرار تعليم البنات أو السماح بجوال أبو كامرتين.

Leave a Reply

*