الإنجاز الوطني ليس غريب علينا – لا نقتل الهمم

بقلم: يوسف العوهلي

شاءت الصدف بأن التقي بطبيبة أمريكية في أحد فنادق دبي الشهر الماضي، واتضح لي أن هذه الطبيبة تدير أحد المستشفيات الطبية الكبيرة في أبو ظبي منذ اكثر من 8 أعوام. وكعادتي المتطفلة على الأجانب، دار الحديث عن الخدمات الطبية في الإمارات العربية، إلا أن الطبيبة هي التي بادرت بالحديث، و كان لديها رغبة أكثر بأن تتعرف على الخدمات الطبية في السعودية.

تساءلت عن أسباب رغبتها تلك؟ فقالت: أنني كطبيبة متخصصة في أمراض السرطان، وكمديرة لمستشفى، يهمني كثيراً الاطلاع على ما يجري في المجتمع الطبي العالمي من تطورات حديثة، وافضل وسيلة للإطلاع هو حضور المؤتمرات الدولية المتعلقة بالسرطان خاصة، وبجميع التخصصات عامة.

واستطردت قائلة أنها تندهش كثيراً عند مشاركتها في هذه المؤتمرات من رؤية أعداد ليست بالقليلة من الأطباء السعوديين المشاركين بأوراق عمل متميّزة جداً في مؤتمرات تكاد تكون مقصورةً على نخبة من الدول المتقدمة طبياً. وأن دهشتها ليست فقط بجودة أوراق العمل التي يقدمها الأطباء السعوديين، بل كذلك لأن عدد كبير من أوراق العمل هي عبارة عن طرق مبتكرة جديدة للعلاج، أو أساليب جراحة مطوّرة عمّا هو مألوف في المجتمع الطبي.

وتقول الطبيبة الأمريكية أن ما يقدمه الأطباء السعوديين من أوراق عمل تلقى ردود فعل كبيرة في الأوساط الطبية خلال هذه المؤتمرات.

تتساءل الطبيبة فتقول: ماذا لديكم في السعودية؟ لماذا يتميّز الأطباء السعوديون؟

هذه التساؤلات (المحرجة) فتحت جرحاً عميقاً في نفسي لم يلتئم بعد من بحث أجريته قبل أعوام قليلة عن تخصص آخر يبدع به المهندسون السعوديون.

بطبيعة الحال لم استطع الإجابة عن هذه التساؤلات!!! لأنها إضافة إلى تساؤلات أخرى في نفسي أنا أيضاً: هل يُعقل أن يكون تميّز الأطباء السعوديون عائداً إلى جودة عالية جداً في التعليم الطبّي السعودي؟ أم هي عقول نابغة منّ بها الله على من أراد أن يكون طبيب؟ 

ومن ثم، كم من تخصص آخر يتميّز فيه السعوديون لم يتسنّ له أن يُكتَشف من اجنبي، مثل اكتشاف تلك الطبيبة المتألقة؟ هل هي الهندسة التي نبغ فيها مهندسينا حتى تمكنوا وبكفاءة عالية من إدارة شركات تنافس اكبر الشركات العالمية، ليس فقط بالحجم، بل أيضا في التقنية الهندسية الجديدة؟ أم هي الشركات السعودية الخاصة التي أصبحت تقارع كبار الشركات العالمية على مشاريع ضخمة خارج الوطن؟ وخاصة أن من يقود بعض هذه الشركات رجال ليس لديهم أي تعليم جامعي!!!  

كيف لي أن أجيب على تساؤلات هذه الطبيبة، وأنا لا استطيع حتى أن اسحب رجلي من وحل مستنقع الإحباط وجلد الذات الذي انغمسنا به؟ كيف لي أن أجيب على أسئلتي، وأنا لا املك الجرأة حتى أن اقنع نفسي بأن أكواب الرجال لا يمكن أن تكون فارغة أو حتى نصف فارغة؟ عزائي الوحيد، المثير للشفقة، هو أنني لست وحيداً في هذا المستنقع.  

النكبة العربية الحقيقية ليست حرب 48 وفقدان فلسطين، أو حرب 67 وفقدان الشرف والكرامة العربيتين، بل هي نكبة العقول المغيّبة التي تشردت، ولا مأوى إيماني ينتشلها من غيابة الجب.

 أفلا نسير في الأرض فتكون لنا قلوب نعقل بها؟ أو آذان نسمع بها؟ … حقاً… إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.