الثقلاء وقصة حذاء أبي القاسم الطنبوري

مقاربات بين الشعبي والفصيح

الوحدة خير من مجالسة الثقلاء

الوحدة خير من مجالسة الثقلاء

عبدالله الجعيثن – جريدة الرياض:

ورد في عدد من كتب الأدب، منها كتاب (ثمرات الأوراق) لابن حجة قصة طريفة بطلها (حذاء) يشبه بعض الثقلاء الذين لا تستطيع الخلاص منهم ولا الجلوس معهم، فهم (نشبة) وعظم في الحلق لا يخرج ولا يدخل، ويُسَمّى الثقيل في مأثورنا الشعبي (نجْس طفْس) و (ثقيل دم) و (لزقة) و (ثقيل الطينة) و (مجلس هو فيه مايطاق) فهو يصرع الرؤوس ويوحش النفوس ويُطيل الجلوس، مع بلادة طبع، وغلاظة حس، وانعدام ذوق، ونفخ، وكبر، وفخر بالنفس، وسماجة في الحركة، و سخافة في الكلام، ونجاسة في النية، وطفاسة في التصرف.. ولقافة.. والعياذ بالله!! .. وبالمصري (وجهه يقطع الخميرة من البيت).. الثقلاء الذين وصف الشاعر الواحد منهم فقال:

يا ما حلا الفنجال مع سيحة البال في مجلـس ما فيه نفـس ثقيلـه

إذا حـلَّ الثـقـيــل بــأرضِ قــــومٍ فـمـا للسـاكنين سـوى الـرحـيل

إذا حلَّ الثقيــل بأرضِ قومٍ

فما للساكنين سوى الرحيل

وشرحه أبو تمام :

لو فرَّ شيء قط من شكله

فرَّ إذن بعضُه من بعض!

ولا يحلو المجلس إلا بخلوه كما قال راكان بن حثلين:

يا ما حلا الفنجال مع سيحة البال

في مجلس ما فيه نفس ثقيله

هذا ولد عم وهذا ولد خال

وهذا رفيق ما لقينا مثيله

يا ليت رجّال يبدل برجّال

ويا ليت في بِدْلا الرجاجيل حيله

وتقول الحكاية كما وردت في كتاب (ثمرات الأوراق):

( كان ببغداد شخص يعرف بأبي القاسم الطنبوري، وله مداس معه من سنين، كلما انقطع منه موضع جعل عليه رقعة، إلى أن صار في غاية الثقل، وصار يضرب به المثل، فيقال: أثقل من مداس أبي القاسم الطنبوري.

واتفق أنه دخل إلى سوق الزجاج، فقال له سمسار: يا أبا القاسم قد وصل تاجر من حلب، ومعه زجاج مذهب قد كسد، فابتعه منه وأنا أبيعه لك بعد مدة بمكسب المثل بمثلين، فابتاعه بستين ديناراً، ثم اشترى ماء ورد في غاية الحسن، ثم جعله في الزجاج المذهب، ووضعه على رفّ في صدر البيت، ثم دخل الحمّام، فقال له بعض أصدقائه: يا أبا القاسم، أشتهي أن تغير مداسك فإنه في غاية الوحاشة، وأنت ذو مال، فقال: السمع والطاعة، ولما خرج من الحمام، وجد إلى جانب مداسه مداساً جديداً، فلبسه ومضى إلى بيته، وكان القاضي دخل الحمام يغتسل ففقد مداسه، فقال: الذي لبس مداسي، ما ترك عوضه شيئاً؟ فوجدوا مداس أبي القاسم فإنه معروف، فدهموا بيته فوجدوا مداس القاضي عنده، فأُخذ منه وضُرب أبو القاسم وحُبس وغُرِّم جملة مال حتى خرج من الحبس.

أخذ الطنبوري المداس وألقاه في نهر دجلة فغاص في الماء، فرمى الصياد شبكته، فطلع فيها المداس، فقال: هذا مداس أبي القاسم، والظاهر أنه سقط منه، فحمله إلى بيت أبي القاسم، فلم يجده فرماه من الطاق إلى بيته، فسقط على الرفّ الذي عليه الزجاج، فتبدد ماء الورد وانكسر الزجاج. فلما عاد أبو القاسم ورأى ذلك لطم على وجهه وصاح: وافقراه ! أفقرني هذا المداس، ثم قام يحفر له في الليل حفرة، فسمع الجيران حس الحفر فظنّوا أنه نقب، فشكوه إلى الوالي فأرسل إليه من اعتقله، وقال له: تنقُب على الناس حائطهم! اسجنوه! ففعلوا، فلم يخرج من السجن حتى غُرِّم جملة مال، فأخذ المداس ورماه في مستراح الخان أي في المصرف الصحي للخان، فسدّ قصبة المستراح وفاض، فكشف الصُنّاع ذلك حتى وقفوا على موضع السدّ فوجدوا مداس أبي القاسم، فحملوه إلى الوالي وحكوا له ما وقع، فقال: أغرموه المصروف جملة، فقال: ما بقيت أفارق هذا المداس! وغسله وجعله على السطح حتى يجف، فرآه كلب فظن أنه رمّة، فحمله وعبر به إلى سطح آخر فسقط على امرأة حامل فارتجفت وأسقطت ولداً ذكراً، فنظروا ما السبب، فإذا مداس أبي القاسم، فرُفِع إلى الحاكم فقال: يجب عليه غُرة، فابتاع لهم غلاماً، وخرج وقد افتقر ولم يبق معه شيء، فأخذ المداس وجاء به إلى القاضي وحكى له جميع ما اتفق له فيه، وقال: اشتهي أن يكتب مولانا القاضي بيني وبين هذا المداس مبارأة بأنه ليس منّي ولستُ منه! وأني بريء منه! ومهما فعله يؤاخذ به ويلزمه! فقد أفقرني! فضحك منه القاضي ووصله بشيء، ومضى.)