«الخط العربي» من الازدهار إلى الاندثار

تحفة فنية للخطاط مجداد

جريدة الرياض – الأحساء -مصطفى الشريدة

الخط العربي أحد اهم ركائز الحضارة العربية ووجوهها المشرقة، هو كائن حي له علاقة بالروح، يستشعره كائن حي اخر فيصب مافي روحه على الورق بكل جمال وانسيابية. أدي ازدهاره في السابق إلى اتخاذه منهجاً لتطوير فنون الخط والكتابة في بعض اللغات الاخرى ، هو علم وفن في آن واحد. تراجع الاهتمام به وبجمالياته وفنونه، لا يجد الاهتمام الكافي من المعلم ولا الطالب ، من المدرسة ولا الاسرة ولا حتى من وزارة التعليم الا في حدود ضيقة !.

تحدث لــ «الرياض» عدد من المسكونين بحب الخط العربي والمهتمين بفنونه والهائمين بجمالياته ليتوحد صوتهم واحساسهم تجاه سيد الفنون الطبيعية، متوجسين مما وصل اليه من اهمال قد يقود هذا الفن الراقي الى الاندثار، متلهفين شوقا الى مبادرات تعيده الى مكانة الطبيعي ومكانتة المرموقة .حضارة وفن

أكد الخطاط عباس بو مجداد أن الخط العربي من أهم المجالات المميزة للحضارة الإسلامية والعربية فقد تميز بما لا تتميز به خطوط اللغات الأخرى، منها التميز الحرفي وتعدد أشكال الحروف بقدر كبير وتعدد أنواع الخطوط قديما وحديثا، كما أنه باقٍ لارتباطه بالقرآن الكريم المحفوظ من لدن حكيم عليم، وقد مر بمراحل ازدهار أيام الدولة العباسية والدولة العثمانية ثم خبا فترة من الزمن وعاد ليزدهر في وقتنا الحالي، ولابد من معرفة أن الخط العربي ليس فناً فقط وإنما هو علمٌ له قواعده وآدابه ويجب أن تُستقى من أهلها, وهو هندسة روحانية كما قال “ياقوت المستعصمي” ـ فهو مرتبط بالروح ويكتب بقلم من النبات وهو كائن حي وبيد كائن حي فيستشعر الخطاط الروحانية أثناء المشق “وهو التدريبات والكتابة المسترسلة”، فيسكب ما في روحه على الورق ليخرج لنا نتاج من الأفكار والتجارب والعمل المتقن، لا يمكن للآلات الحديثة أن تأتي بهكذا جمال يلامس الروح.

وأضاف: “رغم وجود إقبال واضح على تعلم الخط العربي إلا أن هناك نقصا في تحسين كتابة الأبناء وهذا دور وزارة التعليم والأسرة معاً، ولابد هنا أن نفرّق في كلامنا بين تحسين الكتابة وتعلم الخط العربي، حتى نكون أكثر دقة في الحديث”.

ومضى يقول :”يجب إعادة منهج الخط العربي وإعداد منهج جديد يناسب الخطة العامة في التعليم حالياً، وإنشاء مراكز للخط العربي تعنى بالمواهب الشابة ودعم الأنشطة اللامنهجية لنشر هذا الفن الذي يميز حضارتنا العربية والإسلامية”.

وحول إقبال الأبناء على تعلم الخطوط العربية، قال :”الإقبال موجود والحمدلله والطلب على دورات الخط العربي المختلفة التي نقدمها في “دار الخط العربي بالأحساء” وخصوصاً هذه السنة ركزنا على تكثيف الدورات الخطية المتخصصة ودورات تحسين الكتابة لمختلف المراحل العمرية، وكان الإقبال إيجابيا والحمدلله ونتمنى المزيد لنحقق رسالتنا في الحفاظ على فن الخط العربي الأصيل”.

وأشار إلى أن الخط العربي كان صنعة وفناً في آن واحد ومن حق الخطاط أن يأخذ أجراً على عطائه فهو يقضي الوقت الكثير في تعلم وتجويد إنتاجه الفني، لكن بالمعقول والمعمول في هذا المجال المتخصص, ومن جهتنا نطالب الناس باحترام العمل اليدوي والفن الذي يقدمه الخطاط “المتمكن” وتقديره وعدم بخس عطائه، والمطلوب من الخطاط المتمكن أن يقدم الأفضل ويرتقي بذائقة الناس ويقدر هذا الفن.

بو مجداد : خطط التعليم تتجاهل فنونه وجمالياته

بو حميدة : الطباعه تهدد جزءاً من حضارتنا

المحمد : تحسين خط المعلم بداية التصحيح

عامر : نستعين بصديق لنقرأ مايكتبه البعض

الطباعة الرقمية

وأوضح الخطاط محمد بوحميدة، عضو مركز خطاطي الحرم المكي ـ أنه لقرون عديدة ظل الخط العربي فنا بديعاً، وظلت الكتابة بخط عربي جميل يستحق الإعجاب والتقدير، وقد أدي ازدهار فن الخط العربي، إلى اتخاذه منهجاً لتطوير فنون الخط والكتابة في لغات أجنبية أخرى، والآن اختلف الأمر كثيراً، فقد تراجع الاهتمام بالخط العربي وجمالياته وفنونه، وتكاد ثورة تكنولوجيا المعلومات واستخدام الكمبيوتر كآلة كتابة وطباعة، تهدد جماليات وأنواع الخط العربي بالاندثار، ورغم أنه هو سيد الفنون الطبيعية، فإن الجهل بقيمته أصبح من سمات هذا العصر، حيث قضى عصر التكنولوجيا الحديثة علي مهنة الخط العربي، مما أدى إلى انحدار مستوى الخطوط واندثار بعضها، فالكمبيوتر على سبيل المثال، لعب دوراً مهماً في هذا الشأن، بسبب عدم دراية مصممي البرامج العربية، بفنون الخط وقواعده وأصوله، فنجد مخالفة نماذج حروف الكتابة في هذه البرامج لأصول الكتابة العربية، وتدريس الخط العربي له أصول وقواعد، تبدأ من الاختيار السليم للقلم المستخدم في الكتابة، حيث تكون له مواصفات خاصة، أهمها سن هذا القلم، الذي يكون مائلاً تجاه الشمال، بما يساعد علي إظهار الجزء الرفيع والسميك في كل حرف، وبالتالي يخلق صورة الحرف ويظهر جمالياته، وتقضي قواعد الخط العربي عند تعليم الأطفال الكتابة بأن الطفل في سن الحضانة وحتى السنة الثالثة من التعليم الأساسي، لابد أن يتعلم الكتابة بخط النسخ فقط، لأنه الأسهل قراءة، والأكثر انتشاراً أمام أعين الأطفال، ويمكننا بعد ذلك تدريبهم على الكتابة بخطوط أخرى, وأثبتت الدراسات الحديثة أن الطفل الذي يجيد كتابة الخط العربي بوضوح تتولد لديه القدرة علي التوافق العضلي والعصبي، حيث تتطابق حركاته العضلية مع إشارات خلاياه العصبية، كما يتميز هذا الطفل بارتفاع درجة الشعور بالاطمئنان، وتزداد عنده القدرة علي تذوق جمال الأشياء المحيطة به، وترتفع ميوله تجاه الإبداع والابتكار في أي مجال يتخصص فيه، فالعصر الذي نحياه الآن يعد أسوأ العصور بالنسبة لمستوى تألق الخط العربي، لأنه أصبح مجرد خط مقروء، وأن المسؤولية تجاهه تراجعت، بدليل عدم إعطائه نفس الاهتمام بالفنون الأخرى، والآن بدأت هناك ملامح في العودة إلى النهوض بهذا الفن الجميل, بتخصيص المراكز المتخصصة لتدريب الطلاب على كيفية إجادة الخط العربي الأمر الذي جعله يستخدم أيضا من قبل الأسر المنتجة كمحاولة في إتقانه وإجادته.

المعلم أولاً

ويقول الخطاط عبدالله المحمد أن الخط العربي هو فن من الفنون الراقية وهو سمة من سمات الهوية الإسلامية حيث برز فيه فنانون كثر، وهو فن ينطبق عليه ما ينطبق على الفنون الأخرى من قوانين حيث الكتلة والفراغ والمنظور وهو كما يقول ياقوت المستعصمي “هندسة روحانية”، ظهرت بآلة جسمانية. وهو ايضا مفتاح للرزق ، وعلم في نفس الوقت حيث له قوانين ومعادلات أشبه بمعادلات كيميائية وفيزيائية كما أن له صله بكثير من العلوم مثل الهندسة المعمارية وتركيبات كيميائية للأحبار وصناعة الورق. وله قدسية دينية اكتسبها من القرآن الكريم ومكانة رفيعة اكتسبها من اللغة العربية من جهة أخرى.

وقال:”للأسف أن كثيراً من الأبناء خطوطهم رديئة إلا ما ندر كما أنهم لا يسعون إلى تحسين خطوطهم وذلك راجع لعدة أسباب يشترك فيها المعلم والمدرسة والمناهج وأولياء الأمور والمجتمع وتلك حقيقة مرة، فكلما شعر الطالب أن مادة الخط العربي ليست لها درجات وأنه لا يعاقب على رداءة خطه خاصة عندما يجيد القراءة كلما كان الإهمال في ذلك وارداً”.

أما بالنسبة لوزارة التربية والتعليم فإنها تبذل جهوداً طيبة في ذلك غير أنها غير كافية ومن ضمن الأمور المطلوبة في ذلك، أولاً الاهتمام بالمعلم وخطه لأنه حجر الأساس حيث هناك طلاب خطوطهم أفضل من خطوط معلميهم، وثانياً الاهتمام بمنهج الخط العربي وجعل له حصة مستقلة بذاتها يقوم بتدريسها معلم صاحب كفاءة، وثالثاً إصدار تعاميم بعمل مسابقات ومعارض للخط العربي داخل المدرسة وخارجها.

وحول الإقبال على تعلم الخط العربي قال :”كم يراودني الحلم بذلك اليوم الذي نرى فيه شريحة كبيرة جداً من الأبناء يسعون إلى تحسين مستوى خطوطهم، مع أن هناك بوادر قليلة في ذلك فقد قامت بعض المراكز والمعاهد في الآونة الأخيرة بطرح بعض الدورات تحت مسمى دورة تحسين الكتابة اليومية”.

وتطرق الخطاط المحمد إلى مسألة اتخاذ الخط تجارة وقال :”هناك مدرستان متضادتان في هذا الشأن أي في الفن بصورة عامة حيث الأولى ترى أن الواجب أن يكون الفن للفن سواء كان خطاً أو غيره، والأخرى ترى أن الفن للناس وكلتا المدرستين تطمح إلى التكسب من وراء ذلك وليس في ذلك ملامة فما قيمة أن يكدس الفنان لوحاته إلى ما لا نهاية بل التكسب من ذلك هو رافد من روافد التشجيع للتقدم وللإنتاج هذا من جهة، ومن جهة أخرى البعض يتخذ من هذا الفن باب رزقاً له. غير أن المأمول هو مراعاة مسألة مهمة هي عدم الإخلال والتشويه لهذا الفن الراقي والعريق في نفس الوقت.

المعلم أولاً

ويقول أحمد عامر “مدرب معتمد” للخط العربي بجامعة الملك سعود، لو قدر لك وكنت معلماً أو محاضراً بجامعة أو مسؤولاً تعرض عليك الخطابات والأوراق المكتوبة يدوياً، وشاهدت ما وصل إليه مستوى الخط والكتابة لربما ذهلت من تدني المستويات إلى مرحلة “الاستعانة بصديق” لقراءة ما كتب وشر البلية ما يضحك.

وأضاف: لا ننكر أن أغلب الأجيال السابقة كانت خطوطهم واضحة ومقروءة وجيدة بشكل كبير وكانت لديهم ملكة التعبير أيضا متميزة ولا زلت أذكر مادة الخط العربي التي درسناها قديماً فكنا نتعلمها في الصفوف الأولية بالمرحلة الابتدائية فقد كان يبدأ بتعليم خط النسخ وذلك لوضوحه والذي ننطلق فيه بتعلم طريقة كتابة أشكال حروفه ثم اتصالاتها ثم الكلمات، ثم ننتقل في المراحل العليا لدراسة خط الرقعة، فكانت أيام لا تنسى وهي لي أنا كخطاط ومحب لهذا الفن الجميل كانت هي الشرارة الأولى التي قدحت فتيل ذلك الحب والعشق ورغم أنها كانت كراسات صغيرة ومختصرة وبشكل مبسط ولم يكن لها آنذاك معلم متخصص للخط، وإنما كانت حصصها تعطى غالبا لمعلم اللغة العربية لارتباطها باللغة، فأنت وحظك ربما يكون معلم اللغة العربية خطه متميزاً أو جيداً أو ربما غير ذلك وهو الأغلب، فقد كان هناك بعض المعلمين من يتهرب من تدريسها، وذلك لضعف مستواه في الخط وحصيلته المعرفية والفنية فيه، فمرة يوكلها لمن هو أفضل منه، ومرة يجعل الطلاب يكتبون كما في الكراسة من حروف ويقلدونها من دون أن يشرح شيئاً ومع هذا الضعف، إلا أن لها ثمرة كبيرة على من تعلمها رغم ما يعتريها من نقص، وحقيقة لا بد أن نعلم أن فن الخط العربي فنّ قائم بذاته، وعلم من العلوم الفنية التطبيقية، له أبجدياته ومدارسه وفنونه وطرق تدريسه … إلخ، وعندما يوكل تدريس هذا العلم إلى غير أهله، فمن الطبيعي أن يترتب عليه أمور أخرى تساعد في تدني هذا العلم والاهتمام به والتقليل من شأنه عند الطلاب أو المعلمين.

المحمد في إحدى تجلياته
أحمد عامر
محمد بو حميدة
عبدالله المحمد
عامر يخط إحدى لوحاته
من أعمال أبو حميدة
عباس بو مجداد