الدور الآن على النفاق

د. جاسر الحربش – صحيفة الجزيرة:

أتوقع أننا دخلنا مرحلة التقدير والإشادة الموزونة على قياس الإنجاز حسب قاعدة القول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت. يترتب على ذلك سؤال من الماضي، أي من حقبة ما قبل الحملة على الفساد والمفسدين، كيف اجتمع عندنا في الماضي كل ذلك الفساد مع النفاق المرتبط به المتعدي لحدود البلاغة الأدبية والأخلاقية؟. أعتقد أن الجواب أبسط من الحاجة إلى التفكير العميق. الفساد والنفاق توأمان يرضعان من نفس الثدي، لهما ثدي بكامله ولبقية الوطن الثدي الآخر، هذا إن سلم ثدي الوطن من حلب الفاسدين حسب تعبير الرئيس الأمريكي ترامب معلقاً على الحملة السعودية على الفساد.

الإدارة النزيهة لا تحتاج إلى النفاق والمبالغة في امتداحها، ويكفيها التقدير والتفاؤل والود في وجوه الناس، وفي التقييم الإيجابي على منابر الرأي في المجالس اليومية، وهذه القاعدة تنطبق على كل مستويات المسؤولية.

ظاهرة اقتران النفاق بالفساد يلاحظها العالم كله على الشاشات الفضائية المفتوحة لكل المشاهدين. في دول الاتحاد الروسي يوجد تمجيد واضح ومبالغ فيه للمسؤولين، وأكثر من ذلك في كوريا الشمالية والدول الأفريقية والإسلامية ودول أمريكا اللاتينية. تخلف التنمية العلمية والصناعية والفكرية والحقوقية في هذه الدول مع الإنكار الإعلامي لوجودها لا يحتاج إلى براهين، وهذا هو توأم الفساد والنفاق. للأسف، الدول العربية تأتي متقدمة في اقتران النفاق بالفساد، وعلامات ذلك ظاهرة في الآراء والحوارات المسموعة والمتلفزة والمكتوبة، واللافت أنها تكاد تختفي في المجالس والنقاشات الخاصة، أو تتحول إلى العكس، أي إلى المبالغة في الاغتياب وفبركة الإشاعات وتشويه السمعة بلا أدلة.

من العيوب المؤذية للحكومات ملاحقة الرأي الوطني المخلص عندما يكون نزقاً وعالياً وغير مألوف في نفس السياق الذي يشجع ويحتضن الرأي المتملق غير القابل للتصديق والاحترام عند أصحاب العقول، والمثل يقول إذا حدثت العاقل بما لا يليق وصدق فلا عقل له.

مع كل إصلاح وطني تحققه دولة وقيادة طموحة تتناقص حاجتها إلى النفاق ليحل محله التقدير والاعتزاز بالأرقام والإنجازات ويزداد الاستعداد الشخصي للتضحية بالنفس من أجل الوطن.

أتوقع، لا منافقاً ولا ممجداً أن هذا هو المسار القادم المتوقع في الإعلام السعودي بشقيه الرسمي والخاص بعد الإمساك بأعناق المفسدين وتقديمهم إلى التحقيق والمحاسبة. عندما يضمر الفساد ويتلاشى يضمر معه ويتلاشى النفاق الطفيلي الذي يرضع من نفس الثدي الوطني. أتوقع أن الدور قادم على اختفاء المتكسبين بالنفاق بعد القضاء على المتكسبين بوضع اليد والرشوة والاختلاس وغسيل الأموال.