الشركات التي لا تغـير جلدها

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

تأملت البارحة شعار شركة تويوتا أمام بيتي.. لم تكن المرة الأولى التي أراه فيها، ولكنها المرة الأولى التي أحاول فهم معناه.. فشركة تويوتا لم تبدأ كشركة لصناعة السيارات بل كشركة لإنتاج مكائن الخياطة وإبر الحياكة.. لهذا السبب بـدا لي شعارها وكأنه خـيط يدخل، ويخرج، من “خرم الإبرة”.. وللتأكد من هذه الفرضية فتحت موقع الشركة وجدت شيئا مختلفا أتى على غير ما توقعت ولكنه ــ على أي حال ــ قدح في رأسي فكرة كتابة مقال عن الأصل القديم والحقيقي لبعض الشركات وكيف كانت في الماضي تمارس نشاطا يختلف عن الحاضر…

فحين نتعمق في تاريخ الشركات نكتشف أنها تنقسم إلى شركات مازالت تعمل في ذات التخصص الذي تأسست من أجله (مثل أرامكو وفورد وميكروسوفت ومرسيدس) وأخرى غيرت جلدها بمرور الزمن وانتقلت لتخصص جديد تماما (مثل تويوتا وشل وبوينج ونوكيا) ..

شركة نوكيا للهواتف مثلا بدأت كشركة لإنتاج الأخشاب، وشـل للنفط كشركة لنقل البضائع، وسامسونج كمحل لبيع الأرز، وبوينج لصناعة القوارب وتوزيع البريد…

شركة شـل تأسست عام1833 حين بـدأ التاجر الإنجليزي ميرسو صامويل باستيراد الأصداف البحرية من شرق أسيا (وهذا بالمناسبة سر الصدفة في شعار الشركة).. وشيئا فشيئا بدأ يستورد كل شيء من الأطعمة والأقمشة إلى النفط والأخشاب.. غير أن أرباحه من النفط ارتفعت حتى تغلبت على كل شيء (خصوصا حين بدأ يستوردها في حاويات ضخمة بـدل البراميل الصغيرة).. وفي ذلك الوقت دخلت شل في تنافس مع شركة النفط الهولندية على امتيازات النقل والتنقيب. واستمر التنافس بينهما بشراسة حتى بدأ الاثنان يعانيان من سطوة الشركات الأميركية (التي اكتشفت النفط في الخليج العربي) فقررت الشركتان الاتحاد تحت الاسم المعروف حاليا شل الملكية الهولندية (في حين استمرت الصدفة شعارا للشركة)…

أيضا هناك سامسونج التي تأسست عام 1938 كمتجر لبيع الأرز والسكر وتحولت اليوم إلى تسع شركات تعمل في مجالات البنوك، والتأمين، والإلكترونيات، والصحة، والصناعات الثقيلة، والانشاء والبناء… ولإدراك مرونة هذه الشركة (وقدرتها السريعة على تغيير جلدها) دخولها السريع إلى قطاع الهواتف الذكية حين رأت النجاح الكبير لتلفونات الآيفون فـتقدمت على آبل في نسبة الأرباح والمبيعات…

والحقيقة هي أن مرونة أي شركة (وقـدرتها على التطور والتغـيير) أمر أساسي لبقاء الشركة ذاتها.. الشركات التي استعرضتها في هذا المقال لم تكن لتبقى وتستمر لولا مرونتها وقدرتها على تقديم منتجات جديدة..

ليس أدل على ذلك من الانتعاش المفاجئ لـشركة آبــل بعد ابتكارها الأيتونز والآيفون (بعد أن كادت تعلن افلاسها كشركة لإنتاج الكمبيوترات الشخصية).. وليس أدل على ذلك من “نـوكـيا” التي تحولت إلى شركة عملاقة لإنتاج الهواتف بعد أن كانت مجرد شركة صغيرة لإنتاج الأخشاب ــ ثـم أشهرت افلاسها بسبب تأخرها في دخول سوق الهواتف الذكية والتجاوب مع رغبات المستهلكين..

باختصار شديد ؛

الشركة التي لا تغير جلدها ولا تطور منتجاتها تموت في مهدها ..

وأقول في “مهدها” لأننا لا نسمع أساسا بملايين الشركات التي اختفت في عمر مبكر…

اضف تعليق

*