الطمأنينة أو الثقة بالنفس

بقلم: يوسف العوهلي

هل جانب الصواب علماء النفس العرب لتعريبهم مصطلح “self confidence” بـ “الثقة بالنفس”؟

يكاد يصعب على المرء التفرقة بين “الثقة بالنفس” و “الغرور بها” والسبب هو أن الإنسان لا يستطيع أن يمنح الثقة، وخاصة لنفسه؛ فالثقة تُكتسب ولا تُمنح. وعندما ترى إنسان يكابر بحسبه ونسبه فهو نابع من قصور في نفسه قد يكون عائداً إلى جهل وغرور، ولا يستبعد أن يكون الأمر اختلط على هذا الإنسان، فهو يعتقد أنه “واثق من نفسه” بينما هو في الحقيقة “غرور نفسي”.. يقول الفيلسوف الياباني توشيهيكو ايزوتسو في كتابه “الله والإنسان في القرآن” أنه لم نزلت الآية “أن أكرمكم عند الله اتقاكم”، أحدثت هزت عنيفة في المجتمع القرشي لم يتعافى منها، وخاصة أنها خاطبة الناس عامة، وليس فقط المؤمنين، وحسب هذا الفيلسوف أدت هذه الآية (التي نزلت عام الفتح في مكة) إلى ارتداد بعض القرشيين عن الإسلام.. فماهو هذا الدين الذي يجعل بلال بن رباح، وسليمان الفارسي اكرم من وجهاء قريش؟!!

ومعروف عن النفس البشرية بحبها للكمال، ومحاولة الوصول له حتى بطرق ملتوية أحياناً. ونعاصر الآن أناس رفعتهم ثقتهم الزائفة بأنفسهم إلى مستويات عالية من المكابرة تتحوّل تدريجياً إلى المزايدة على الانتماء، وهي اخطر من العنصرية. فنجد من يزايد على قبيلته، ومدينته، ووطنه بحجة وطنيته وانتماءه. وتنتشر هذه الظاهرة عند من تكون وطنيتهم مهزوزة‘ فمثلاً ترى تشدد موظفي الجوازات الحديثي عهد بجنسيتهم مع الأجانب (تكثر في أمريكا)، كما نجدها في كره غير مبرر لمدينة مجاورة، أوتشكيك بأصل إنسان آخر، أو حتى التزمّت الديني فقط لإظهار اكثر انتماءً للدين. وكل هذه الأمثلة دليل واضح على عدم الثقة بالنفس.

كما نجد تبرير ديني لتصرفات المزايدين، فكثيرًا من يروي أحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلّم) المتعلقة بالنسب، والتي قد تكون موضوعة وغير صحيحة، بل وتعارض نص القرآن، وتتعارض مع تاريخ الأنبياء انفسهم. فها هو إبراهيم عليه السلام يتزوج من الأميرة المصرية (هاجر)، والقبيلة العربية الأصل جرهم تزوج ابنتهم لإسماعيل (عليه السلام)، وموسى عليه السلام يتزوج من امرأة عربية، وسيد الخلق يتزوج من امرأتين غير عربيتين (صفية بنت حيي من بني إسرائيل، ومارية القبطية). والحقيقة أن النسب يُظهر حقيقة الإنسان العنصرية،

فنجد الأغلبية العظمى من الناس من يدّعي بأنه ليس عنصري، بل ويزايد على انفتاحه، فقط لتجد عنصريته تصطدم بواقعه، وتكشف زيف ثقته بنفسه.

إذاً نستطيع أن نقول أن تعريب مصطلح self confidence بـ “الثقة بالنفس” قد أضاف غطاء لغوي مزيّف لكثير من السلوك الخاطئ، وبعضها المحرم شرعاً. فنجدها غطّت الغرور، والمكابرة، والمزايدة، والعنصرية. والصحيح هو أن نقول “طمأنينة النفس” فعندما تكون النفس مطمئنة فهي في ثابتة وساكنة وليست بحاجة للزيف وتستطيع التعامل مع الظروف بصدق ونية حسنة، ولا يمكن للنفس المطمئنة أن تكون عنصرية أو مغرورة. ويعرف معجم المعاني الطمأنينة بأنها هدوء وسكن النفس، كما يعرفها بالثقة وعدم القلق. فليس هناك نفس واثقة وإنما

نفس مطمئنة؛ وإن لم تكن مطمئنة فهي أمارة بالسوء. والنفس المطمئنة هي المفتاح الوحيد لنجاح الإنسان لتحقيق توازنه النفسي.

وعندما تطمئن النفس تتصف بصفات عظيمة، فهي: تتأمل وتفكر، لا تقلق، إيجابية، طموحة، لا تغضب و لا تحقد، تواجه الأخطاء بشجاعة، صبورة.