الكلمة التي لا تجدها في القاموس

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

اللغات اختراع بشري، ومعاني الكلمات لا تتمتع بدقة الرياضيات.. نخطئ حين نبحث في القواميس عن (الكلمات المقابلة) كونه لا توجد ببساطة معاني متطابقة، بل كلمات تقرب لك المعنى.. حين تقرر البحث في القاموس يجب أن تفعل ذلك بنية استنتاج وتخمين المعنى الصحيح، وبعد عثورك على الكلمة تحتاج إلى وضعها في جملة كي تفهم سياقها، أو تتواجد في ظروف قولها لتفهم معناها..

فالكلمات المجردة تعجز وحدها عن حمل المشاعر والأحاسيس ومعاني المتحدثين بها.. تحتاج إلى وضعها ضمن حركات الجسد وطبيعة النغمة وتأثير الموقف والعلاقة بين السامع والمتكلم..

خذ كمثال كلمة (والله) في لغتنا الدارجة وتخيل المواقف التي تستعمل فيها.. فهي تأتي مرة بمعنى الاستفسار، والحلفان، والتعجب، والتأكيد.. بحسب طريقة نطقك وتعابير وجهك وأسلوب تعبيرك وشعورك تجاه قائلها..

لهذا السبب يبرز سوء الفهم بين الناس حين يستعملون الكلمات المجردة فقط (كما في رسائل الواتساب).. فحين يرد عليك صديقك مثلا بكلمة “والله” لا تعرف هل هو موافق أم متعجب.. لهذا السبب اخترع اليابانيون رسوم الأموجي -التي نستعملها في نهاية رسائل الواتساب- حيث ملامح الوجوه الضاحكة والغاضبة والساخرة تمنحنا المعنى المقصود من الكلمة (وأعتقـد شخصيا أن قاموس اكسفورد تصرف بذكاء حين اختار الوجه الضاحك كلمة العام 2015)…

ولأن اللغات اختراع بشري، ومعاني الكلمات ليست بدقة الرياضيات، لا تتفق كافة اللغات على نفس المعنى.. بل تتفاوت اللغات بشكل هائل من حيث عدد المفردات وعدم امتلاك كثير منها كلمات تعبر عن هذا الشيء أو ذاك (وخذ كمثال كلمة طرب التي لا توجد في غير اللغة العربية، وكلمة آيجوتوري التي لا توجد في غير اللغة اليابانية.. وتعني تغير ملامح وجهك بعد حلاقة شعرك)!.

ويعظم الفارق بين اللغات الحية والميتة، والثقافات الغنية والفقيرة، والشعوب النامية والمتقدمة..

خـذ كمثال كلمة “فضاء” في لغتنا العربية التي تشمل كل فراغ سماوي خارج الأرض، في حين أن المتحدثين باللغة الإنجليزية يفرقون جيدا بين Space و Universe و Cosmos…

فالكلمة الأولى تُـعبر عن الفراغ الموجود بين الأجرام الفضائية، والثانية عن الأجرام نفسها (من نجوم وكواكب ومجرات) والثالثة عـن تفاعل الأفلاك الكونية وحركة الأجرام السماوية.. وهذا التقسيم الدقيق يشي بوجود فارق نوعي (في المفاهيم الفلكية) بين المجتمع العربي والغربي لأنه كلما زادت كلمات الشيء دل ذلك على اهتمام الناس وإدراكهم للفوارق الدقيقة فيه (تماما كما نملك نحن 36 أسما للجمل في حين لا يعرف الأميركان غير كلمة Camel.

… إذا ..

الأمر لا يتعلق فقط بالقواميس بل بحقيقة أن ثـراء الكلمات وشـح المفردات وعدم الاتفاق عليها نتيجة طبيعية لاختلاف الثقافة والاهتمام والموقع الذي تشكلت فيه اللغة..

وكل هذا يجعلني أعتقد أن قواميس اللغة لا تقدم سوى نسبة تقريبية من معاني الكلمات (تتراوح بين الصفر و99%) في حين يتطلب فهمها الحقيقي التفاعل مع قائلها أو الثقافة التي نشأت فيها..