المسافة التي تفصل بيننا

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

رغم أن “القرن العشرين” (والسبعة عشر عاما التالية له) تميزا بتقدم العلم وثورة التكنولوجيا.. ورغم أن المعارف فيه تراكمت أكثر من كل العصور الماضية؛ إلا أنه ليس إلا جزءا قصيرا جدا مقارنة بعمر الإنسان على كوكب الأرض.. أما مقارنة بعمر الحياة على الأرض ككل فإن آخر مئة عام ليست أكثر من ورقة ضمن كتاب يمتد لأكثر من ست مئة ألف صفحة!

.. يمكنك استنتاج التاريخ الطويل للإنسان على كوكب الأرض من خلال هياكله المتحجرة التي يعود بعضها إلى أربعين ألف عام (وهذا بالمناسبة ما يخص الجنس البشري الحالي فقط حيث توجد متحجرات بشرية لأجناس منقرضة تعود لمليوني عام مضت).

كما يمكنك استنتاج تاريخه الطويل من خلال عدد الرسل الذين بعثوا في الحضارات القديمة؛ فمن المعروف أن كل نبي أرسل إلى أمة مستقلة وبعد فترة طويلة من اندثار آخر رسالة. وقد جاء في الحديث الصحيح أن مجموع الرسل والأنبياء بلغ مئة وأربعة وعشرين ألفاً لم يذكر منهم في القرآن سوى خمسة وعشرين فقط.

وهذه الفترة الزمنية الطويلة (التي عاش الإنسان معظمها في جهل علمي وتخلف تقني) تجعلنا ننظر إلى النجوم البعيدة ونتساءل عن المستوى الذي وصلت إليه حضارات كونية عريقة بدأت نهضتها العلمية والصناعية قبلنا بمليون عام مقارنة بقرننا السابق فقط!!

أنا شخصيا أعتقد أن المعارف والتقنيات التي تفصل بيننا تقاس ــ حتى هي ــ بالسنوات الضوئية.. وهناك قسم من علماء الفلك يعتقدون أن مخلوقات الكواكب الأخرى تتجاهل زيارة الأرض (رغم قدراتها التقنية التي تتيح لها ذلك) لأننا ببساطة عديمو الفائدة بالنسبة لها.

فمن المعروف أن عمر الأرض لا يتجاوز أربعة مليارات عام وعمر الإنسان ذاته لا يزيد على 40 ألف عام.. وبالمقارنة يبلغ عمر بعض الكواكب في الفضاء أضعاف ذلك وعمر الحياة عليها ــ في حالة وجودها ــ يزيد بعشرة أضعاف على الحياة على كوكب الأرض!!

هذه الأسبقية في الظهور والتطور توضح مدى العراقة والتقدم الذي وصلت إليه الحضارات الكونية القديمة. أما على الأرض فإن معظم التقدم العلمي والتكنولوجي الحالي لا يزيد عمره على مئة أو مئتي عام على أفضل تقدير (وحتى زمن جدي وجدك لم يكن معظم البشر يعرفون الكهرباء).. وبالتالي لك أن تتصور حالنا لو بدأنا من النقطة التي بدأت منها الحضارات الكونية القديمة ــ أو مدى التقدم الذي سنصل إليه لو استمر تطورنا التكنولوجي الحالي لمليون أو مليوني عام قادمة!!

… في مقال لا أتذكر اسمه قلت:

“لو أن حضارة الفراعنة استمرت بلا انقطاع لكنا اليوم نتجول بين النجوم”.