الملك عبدالعزيز وخطبة عام 1347هـ

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

خطب ومراسلات الملك عبدالعزيز تستحق دائما التوقف عندها لأنها (وبما أنها قيلت من الملك المؤسس) تعد مرجعا في سياسة الدولة وطريقة عملها..

فقد كان يُعرف عنه مثلا إيمانه بالشورى وعدم غلبة الناس على أمرهم.. وليس أدل على ذلك مما حدث عام 1347هـ حين دعا عددا كبيرا من زعماء العشائر، والحواضر، والعلماء، والرؤساء إلى مؤتمر للتشاور والتداول أطلق عليه حينها “الجمعية العمومية” (وقد نشرت جريدة أم القرى في العدد 208 أسماء المجتمعين والجهات التي يمثلونها).

وفى حفل الافتتاح ارتجل الملك المؤسس خطبه طويلة (سأكتفي بالقليل منها لضيق المساحة):

“أيها الأخوان تعلمون عظم المنة التي من الله علينا بدين الإسلام وجمعنا به بعد فرقة وأعزنا به بعد ذلة.. وإنني أخشى أن يكون في صدر أحد منكم شيء يشكوه مني أو من أحد نوابي.. وإنني أجمعكم في هذا المكان لا خوفا أو رهبة من أحد، فالله هو الذى نصرني، إنما جمعتكم كما قلت خوفا من ربي، ومخافة من نفسي أن يصيبها زهو أو كبر.. ولأجل ذلك أريد منكم أن تنظروا فيمن يتولى أمركم غيري، ولا يحملني على هذا القول إلا محبة راحتي في ديني ودنياي، وإنني أعوذ بالله أن أتولى قوما وهم لي كارهون (ثم صمت) فارتفعت أصوات الحضور: “لا نريد لك بديلا، لن نرضى بغيرك”.. (واستمر في خطبته)..

ومن الخطب -الشبيهة بهذه الخطبة- وتوضح حرصه على تولية الناس أمورهم؛ أنه حين دخل مكة قبل ذلك بأربع سنوات (وتحديدا عام 1343) جمع أعيانها وعلماءها وارتجل فيهم خطبه طلب فيها بالنص “أن تجتمع نخبة من العلماء والأعيان والتجار وينتخب كل صنف عددا معينا يقررون ما فيه مصلحة البلد”..

وعلى إثر ذلك تم انتخاب اثني عشر شخصا تألف منهم مجلس دعي بـ(المجلس الأهلي) وصدر بيان رسمي بتكليفه بمسؤولياته.. وفى عام 1345 (1926م) تم توسيع الفكرة، وتأليف مجلس عام للشورى ترأسه حينها النائب العام الأمير فيصل بن عبدالعزيز..

وكان الملك عبدالعزيز (بعد انتهائه من توحيد البلاد) قد وضع لأسرته ورجال دولته تنظيمات تضمن استقرار الدولة بعد وفاته. وهكذا أمر في عام 1352هـ (مايو 1933) بوضع نظام لتوارث العرش من بعده.. وفي 16 محرم من العام نفسه أصدر مجلس الشورى (الذي تشكل قبل ذلك بسبع سنوات) قراراً بمبايعة الأمير سعود ولياً للعهد.. وعلى إثر ذلك وجه الملك عبدالعزيز لولي العهد النصيحة التالية وأمر أن تنشر علنا:

“تفهم أننا جميعا ما نعز أحدا، ولا نذل أحدا وإنما المعز والمذل هو الله سبحانه وتعالى، وموقفك اليوم غير الأمس فينبغي أن تعقد نيتك على ثلاثة أمور:

أولاً: نية صالحة، وعزم أكيد على أن تكون حياتك وديدنك إعلاء كلمة التوحيد ونصر دين الله.

ثانياً: عليك أن تجتهد في شؤون الذين ولاك الله أمرهم، وتحكيم الشريعة في الدقيق والجليل والقيام بخدمتها ظاهراً وباطناً.

ثالثاً: عليك أن تنظر في أمور المسلمين عامة وهِنْ نفسك لرضاهم، وأوصيك بعلماء المسلمين خيراً فاحرص على توقيرهم ومجالستهم والأخذ بنصيحتهم..