المناجم الكونية

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

قـبل خمسمائة عام تجاوزت أوربا بلاد العرب واكتشفت طريقا بحريا يصلها بآسيا عبر رأس الرجاء الصالح.. بدأت حملاتها الاستكشافية في قارات العالم المختلفة متجاوزة كل الحروب والأيدلوجيات المتصارعة في المنطقة المعروفة حاليا بالشرق الأوسط .. وخلال المائة عام التالية أصبح لبريطانيا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال موطئ قدم في آسيا وأفريقيا والعالم الجديد في أمريكا .. لم تعد التوابل السلعة الوحيدة المربحة حيث أصبح القطن يجلب من الهند، والشاي من سيلان، والمطاط من ماليزيا، والنحاس من إندونيسيا، والعبيد من أفريقيا ــ ناهيك عن الاستيطان بشكل دائم في أميركا وكندا وأستراليا وأميركا الجنوبية..

وحتى بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية (وتحرر الدول المستضعفة) استمرت الشركات الأجنبية في السيطرة على تجارة المواد الأولية كالقطن والشاي والنفط الخام.. وحين بدأت الشركات المحلية بمنافستها ــ في أواخر القرن العشرين ــ أتت “العولمة” بقوانين جديدة تسمح للشركات الأجنبية بالعودة للأسواق المحلية…

كل هذا يؤكد أن التنافس على الموارد هو ما يحرك الدول الكبيرة ويحكم تجارتها الخارجية.. تنافس قـد يأتي بشكل احتلال أو احتكار أو عولمة، ولكنه في النهاية يتضمن شعوبا مغلوبة على أمرها، ودول كبرى تتنافس فيما بينها..

… وحين أتأمل هذه الأيام خارطة العالم لا أجد غير القطب الجنوبي كآخر معاقل التنافس الجغرافي.. صحيح أن الدول العظمى وقعت عام 1961 اتفاقية اعتبرت القطب الجنوبي ملكا لجميع البشر، إلا أن هذه الاتفاقية لن تستمر في حال اكتشاف ثروات طبيعية ضخمة ــ أو التغلب على عقبات التنقيب في المواقع الباردة..

… أما في المستقبل القريب ، فستتوجة الدول المتقدمة لاستعمار الفضاء واحتلال الكواكب كما تنافست قبل أربعمائة عام على استعمار المناطق والدول البعيدة.. وهذه الفكرة ليست جديدة كون الروايات العلمية تنبأت (قبل مائة عام) بغزو القمر واستعمار كواكب جديدة .. وهناك أفلام خيالية (مثل Avatar و Alien) تدور حول إرسال بعثات فضائية تجلب مواد نادرة لكوكب الأرض.. وبعثات كهذه لن تهدف لاستعمار كواكب الكون فقط، بـل واستعباد سكانه، وانشاء قواعد متقدمة لغزو أماكن أكثر بعـداً (كما كانت الدول الاستعمارية تنشئ لها قواعد تموين متقدمة في السويس وعـدن وجوا وهونج كونج)!!

واليوم بدأنا نسمع عن محاولات جدية من هذا النوع تنبئ عما سيكون عليه الحال بعد خمسين عاما من الآن.. خذ كمثال المسبار الأوربي فايلاي الذي هبط قبل فترة على النيزك “شيرموف جيراسمينكو” القادم من خارج المجموعة الشمسية .. حدث هذا بعد ستين عاما من نشر إسحق عظيموف روايــة “الأرنب” التي تتحدث عن سفينة تعدين فضائية أرضية تهبط فوق النيازك لاستخراج المعادن النفيسة والنظائر المشعة!!

أيها السادة :

أخشى مجددا أن تهاجر الشعوب المتقدمة إلى كوكب جديد قبل نهاية هذه القرن وتتركنا لوحدنا في هاجرة الصحراء؟

Leave a Reply

*