الوجدان العربي مغزول بحب السيل مفتون بلون السحاب

مقاربات بين الشعبي والفصيح

عبدالله الجعيثن – جريدة الرياض

(يوم الدَّجن قصير) هكذا يقول المثل العربي عن اليوم الجميل الذي يتراكم في سمائه السحاب الثّقال حاجبا أشعة الشمس، واعداً بالمطر والخصب والنماء وضحكات الصحراء، و (أيام السعادة قِصار).. كما يقول مثل عربي آخر.. وأسعد أيام العربي حين يهطل المطر، ويتدافع السيل المنهمر، وتجري الوديان وتمتلئ المنخفضات، وتكثر الغدران واعدةً بالعشب الأخضر اليانع، وبزهور الصحراء ذات الرائحة الزكية والمنظر الخلّاب، لذلك سماه العرب (الحَيَا) اشتقاقاً من الحياة والغيث لأنه بإذن الله يغيث الناس.

ولا توجد أمة من أمم الأرض تغنّت بالمطر في أشعارها كالأمة العربية، لما نالها -عبر عصورها- من حرمان من الماء أدى إلى أوبئة.. وحروب وغارات.. ومجاعات.. وهلاك للزرع والضرع.. الوجدان العربي مُتْرَع بحب المطر حتى الثمالة، يحب حتى ذِكره، ويدعو به لأحبابه فيقول: (سُقيا لها من أيام ..)! وحين يستقبل الأحباب يهتف: أهلاً وسهلاً (بالطشّ والرشّ!) وهما فصيحتان، الأولى تعني الرذاذ الخفيف النديّ، والثانية تعني القطر اللطيف الزكيّ، ورائحة المطر دائماً زكية وتثير مشاعر الوجدان، خاصة إذا وقع المطر على أرض زراعية، أو كثبان رملية، إنه يثير ذكريات الطفولة التي تمرح تحت المطر.

ومتى يجينا الوسم مزنه مثاقيل

تضحك مقاديمه وتبكي عقابه

على فيافي نجد مزنه مباهيل

حتى صحافه نجد تخضّر جنابه

ولميض برقه من صدوق المخاييل

مثل السيوف بعجة بالحرابة

بامر الكريم السيل يتبع له السيل

وَبْلٍ برفق دافق من ربابه

محمد السديري

بل هل ترى عارضاً قد بتُّ أرمقهُ

كأنما البرقُ في حافاتهِ شُعَلُ

لهُ رِدافٌ وجَوزٌ مُفْأَمٌ عملٌ

منطَّقٌ بسجالِ الماءِ متصلُ(١)

حتى تحمّل منه الماء تكلفةً

روضُ القطا، فكثيب العينة السّهلُ (٢)

فَالسّفْحُ يَجرِي فخِنزِيرٌ فَبُرْقَتُهُ

حتى تدافعَ منهُ الرّبوُ، فالحُبَلُ(٣)

قالُوا نمَارُ، فبَطنُ الخالِ جَادَهُما

فالعَسْجَدِيّة ُ فالأبْلاءُ فَالرِّجَلُ(٤)

سقي دِياراً لَها قَدْ أصْبَحَتْ غَرَضاً

زُوراً تجانفَ عنها القودُ والرَّسلُ

الأعشى

سَقْوى إلى حقّت علينا السحابه

واخضرّ كلّ معذر من هضيبه

ووادي حنيفه مدّ حبل الرجا به

جَمّه على الطيّه يخضه عسيبه

وديارنا اللي في ملاقي شعابه

يرجع لها عقب الشهابه عشيبه

حتى النخل يشتاق حيٍ مشى به

باطراف سَبْحَاته تنوح الرّبيبه

العريني

بامر الكريم السيل يتبع له السيل وَبْـلٍ بـرفــق دافــق من ربابـه

يا مَن لِبَرقٍ أَبيتُ اللَيلَ أَرقُبُهُ

مِن عارِضٍ كَبَياضِ الصُبحِ لَمّاحِ

دانٍ مُسِفٍّ فُوَيقَ الأَرضِ هَيدَبُهُ

يَكادُ يَدفَعُهُ مَن قامَ بِالراحِ

فَاِلتَجَّ أَعلاهُ ثُمَّ اِرتَجَّ أَسفَلُهُ

وَضاقَ ذَرعاً بِحَملِ الماءِ مُنصاحِ

هَبَّت جَنوبٌ بِأولاهُ وَمالَ بِهِ

أَعجازُ مُزنٍ يَسُحُّ الماءَ دَلّاحِ

فَأَصبَحَ الرَوضُ وَالقيعانُ مُمرِعَةً

مِن بَينِ مُرتَفِقٍ فيهِ وَمُنطاحِ

عبيد بن الأبرص

الــبــر يعجــبني إلــيا زان جــوّه

والارض خــضرا والـسما كلها اخيال

وريــح المطــر توّه على الأرض تـوّه

هتــان بــادي يشــرح الصــدر والبال

وقـام السنـافي فالضــحى وشب ضـوّه

وغنـّـى عــليّ مــن أعــذب الشـعر مــوال

(…)

يازين حس المطر في ظاهر الخيمه

وانا احس المطر عطشٍ وجوعاني

ياحلو صوته ليا هدّت مرازيمه

من جور سيله هشاش القاع رياني

(…)


  1. رداف: سحاب متراكم (مترادف)، جوز: وسط، مفأم: عظيم

٢. روض القطا مكان باليمامة والعينة العيينة الآن مدينة شمال الرياض 60 كم

٣. الربو: الرابية والخنزير والحبل من روافد وادي حنيفة

٤.نمار والعسجدية مواقع حول الرياض وبطن الخال وادي لبن