انقراض من نوع مختلف

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

قبل أيام أعلنت الهند عن خشيتها من اختفاء 122 لغة بسبب قلة عدد المتحدثين فيها (والذين لا يتجاوز عددهم مجتمعين عشرة آلاف إنسان)..

أما إيسلندا (الدولة المتحضرة وصاحبة أقدم الديموقراطيات في العالم) فـأصبحت تشتكي من تلاشي لغتها الأصلية بسبب الانتشار الواسع للغة الإنجليزية..

وكانت اللغة الإنجليزية قد أجهزت داخل الاتحاد البريطاني على اللغة الغالية (اللغة الأصلية في ايرلندا) واللغة الكلتية (لغة ويلز الأصلية) والاسكتلندية (ذات الأصل الجرماني)..

ويمكن تعريف اللغة المهددة بالانقراض بأنها تلك التي يتكلمها أقل من ألف إنسان.. والنماذج السابقة تثبت أن ظاهرة الانقراض لا ترتبط بالحيوانات والنباتات فقط؛ بـل وباللغات والثقافات والشعوب أيضاً.. فبالإضافة إلى انقراض أربعين أمة من الهنود الحمر في أميركا، هناك شعوب وقبائل كثيرة انقرضت حول العالم خلال الخمسين عاماً الماضية.. خـذ كمثال شعب الأيكس الذي انقرض في أوغندا، والكواكي والأتمبل في غينيا الجديدة، وقبائل الأقزام في أوغندا وزائير، وأكثر من 200 قبيلة هندية في كندا وجنوب أميركا!!

وحسب تقرير لمعهد مراقبة العالم هناك 5000 مجموعة بدائية مهددة بالانقراض يبلغ عددها 300 مليون نسمة، وتتوزع في 70 دولة. وخلال مئة عام من الآن ستنقرض بشكل شبه كامل وتختفي معها ثقافات عريقة وفنون نادرة وخبرات بشرية مهمة..

ومن العوامل التي ساعدت في تسريع هذه الظاهرة العولمة والإنترنت والـبث الفضائي وسهولة السفر.. تسبب تمدد اللغات الكبيرة (كالإنجليزية والإسبانية والصينية) في انحسار لغات محلية صغيرة لا يتكلمها سوى عدد محدود من الناس (كما في الهند وإندونيسيا وغينيا الجديدة حيث توجد في كل بلد أكثر من 600 لغة).. هذا الانقلاب جعل 97 % من سكان العالم يتكلمون 4 % فقط من اللغات، و96 % من اللغات لا يتكلمها سوى 3 % من أهل الأرض…

ورغم أن العولمة والإنترنت والبث الفضائي سرّعت من انقراض اللغات الصغيرة، إلا أن الظاهرة نفسها ليست جديدة عبر التاريخ.. فـفي تاريخنا العربي مثلاً نعرف أن هناك عرباً بائدة اختفوا حالياً (مثل قوم عاد وثمود والعماليق وجرهم وجديس)، وعرباً مستعربة (انحدروا من صلب إسماعيل عليه السلام وتعلموا اللسان العربي من قبيلة جرهم في مكة)، ثــم العرب الباقية (حضرتي وحضرتك)..

والعرب البائدة لم يكونوا بالتأكيد يتحدثون اللغة التي نتحدثها اليوم ــ أو على الأقل لا يمكننا فهمهم لو سافرنا إليهم عبر الزمن، ولا يمكنهم قراءة ما نكتب هذه الأيام لو استيقظوا كأصحاب الكهف…

والمصير ذاته كان من نصيب معظم اللغات السامية في الماضي كالآشورية والبابلية والفينيقية والحبشية القديمة.. كما يحدث في الحاضر في فنلندا والسويد والنرويج وكندا وشمال روسيا حيث تنقرض فيها لغات قديمة كانت شائعة في مناطق الصيادين داخل الدائرة القطبية الشمالية..

كل هذا أيها السادة يجعلني سعيداً بانتمائي مـؤقـتاً “للعرب الباقية” رغـم تداعي الأمم على قصعتها وانتفاخنا كـغـثاء السيل …

Leave a Reply

*