بوادر مشجعة لكسر الاحتواء الأجنبي

د. جاسر الحربش – صحيفة الجزيرة

المقصود هنا بالاحتواء المعنى السياسي بتفرعاته، وهو مفهوم غربي اقتصادي في أهدافه. هناك احتواء الدولة المارقة لإبقائها داخل القفص الاقتصادي والعلمي، وهناك احتواء الدولة المسماة بالصديقة وأيضاً لنفس الأهداف. الأساليب فقط هي التي تختلف حسب الظروف. بهذا المعنى ما زال العالم العربي قيد الاحتواء منذ غزوة نابليون للدولة العربية مصر، والآلية الوحيدة المستعملة منذ ذلك الحين هي إبقاء التخلف العلمي والفكري لأطول فترة ممكنة.

الآن توجد بوادر مشجعة لمحاولة كسر الإحتواء في مجموعة دول مجلس التعاون العربي. المنظور منها هو التحدي الصريح بين نية التطوير العلمي والتجديد وبين رغبة القوى المحلية المكرسة للتخلف.

في مقال لراصد الرأي الأمريكي ذي الأصول العربية السيد جيمس زغبي بعنوان: العربية السعودية تتغير (هافينجتون بوست 25-2-2017م) يستهل زغبي مقاله هكذا: أخذ السعوديون مستقبلهم في أياديهم الخاصة ويحدثون التغيير بهذه الطريقة. المقال طويل ويستحق القراءة.

منذ غزوة نابليون لمصر، وهي الغزو الأول المنتصر بعد انكفاء الغزوات الصليبية بدأت مرافعات التقدميين العرب الأوائل بوسائلهم آنذاك، وما زالت مستمرة بمرافعات التقدميين العرب الحداثيين. من يقرأ مرافعات التقدميين الأوائل ويقارنها بمرافعات الحداثيين لن يجد فوارق نوعية لصالح الحداثيين رغم مرور حوالي قرنين من الزمان. الكواكبي والأفغاني ورضا وعبده وابن نبي كأمثلة، لا تختلف في مرافعاتها عن الجابري وطرابيشي والعظم كأمثلة للحداثيين سوى في تفخيم الأسلوب والتقعر في الاستدلال الفلسفي والسيكولوجي والمعرفي. الطرفان يتفقان على أن الاصطدام بالغازي صاحب الفكر العلمي المنهجي يجب أن يولد عندنا فكراً علمياً منهجياً مماثلاً، وإلا فمعركتنا معه خاسرة إلى الأبد. اتفق الطرفان كذلك على أن التخلف في المرجعيات الدينية التراثية يجب أن يستبدل بفكر جديد، يحافظ على الأصل الانتمائي الديني والقومي ويتخلص من تراكمات المذاهب والاجتهادات الفقهية المتضاربة.

المرافعات المضادة لفكر التقدميين القدامى والحداثيين استندت دائماً إلى إدعاء أن المسلمين لا ينهضون سوى بالعودة إلى ما بدؤوا به من مثاليات العقود الثلاثة الأولى للفجر الإسلامي، رغم استحالة التطبيق واختلاف وجهات النظر في الفتن الكبرى التي حدثت في تلك العقود الثلاثة. المطلوب كان وما زال الاقتداء بالسلف الصالح في القول والعمل وتحريم الابتداع في القول والعمل، ومن هذه المرافعات المعاندة للزمن وعوامل التطور وصلنا الآن إلى إنتاج الحركات الإرهابية للوصول السريع إلى الحور العين.

لا يوجد الكثير من الشك في أن الغازي الغربي حضر إلينا للسيطرة الاقتصادية في المقام الأول، وأنه عرف منذ البداية أن حليفه المحلي المناسب لاستمرار احتوائنا الاقتصادي هو إبقاء التخلف الفكري والعلمي وتشجيعه ومسايرته قدر الإمكان. الآن هناك بوادر مشجعة على الإدراك المسؤول لضرورة التخلص من الاحتجاز الاحتوائي، بمقارعة الفكر المحلي المتخلف أولاً وإبعاده عن تحديد المستقبل، ولكن ما زلنا في أول الطريق.