جمالُ بيت

جد وهزل

عبدالله الجعيثن – جريدة الرياض

يعتمد أكثر النقاد وعلماء البلاغة القدماء على جمال النصّ الشكلي، وفق تقسيمات محدودة، وقواعد جامدة، مع بعض الإضاءات الفنية، لكنها لا تتجاوز الشكل في الأغلب.. وكما يزخر شعر الغزل بوصف (جمال المرأة الجسدي) ويغفل (جمال الروح)، فعل البلاغيون ما يُشبه ذلك مع النصوص.

لنأخذ هذا البيت من الشعر لأبي ذؤيب الهذلي:

(وَالنَفسُ راغِبِةٌ إِذا رَغَّبتَها فَإِذا تُرَدُّ إِلى قَليلٍ تَقنَعُ)

يصف أكثر القدماء هذا البيت بالبلاغة لأن فيه إيجازَ الحذف، يقولون: حذف الشاعر الفاعل ونائب الفاعل ويكتفون، فالإيجاز من فنون القول المفضلة لدى العرب.

إذن فجمال البيت شكلي تقريباً.. هل هذا صحيح؟ .. طبعاً لا.. جماله الحقيقي هو أنه (كشف سرّاً من أسرار النفس البشرية) في كل زمان ومكان، وبفنّ فيه إيحاء.

والكشف عن (جوهر النفس البشرية) وأسرارها وطباعها الظاهرة وعقلها الباطن، بأجمل صورة وأقصر طريق، هو السبب الأول في خلود شعر أبي الطيب المتنبي، واحتلاله المركز الأول في الاستشهاد على كل موقف أو حادث، قديماً وحديثاً، وبشاعرية نافذة.. وخلود أي حكمة أو بيت شعر يكاد يتوقف على مدى غوصه في أعماق النفوس، فكل شيء يتغير إلّا أعماق النفس البشرية التي لا يسبرها إلّا فنان عبقري كالمتنبي.