داء العظماء في السعودية

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

الصرع أكثر مرض في التاريخ تم تشخيصه بطريقة خاطئة.. أعراضه الغريبة جعلته يرتبط بمفهوم التلبس الروحي، أو المس الشيطاني، أو التواصل الإلهي، أو الإبداع الفكري.. ولكنه بكل بساطة خلل عصبي ينجم عن اضطراب مؤقت في إشارات الدماغ الكهربائية (يمكن تشبيهه بجهاز الكمبيوتر أو الجوال الذي تخـتل داراته الكهربائية فجأة قبل أن يستعيد نسقه الصحيح)..

معظم الناس يصابون بالصرع خلال حياتهم بسبب ظروف عصبية أو ذهنية قاهرة، ولكن تكراره لأكثر من مرة يدخل صاحبه تحت خانة المصابين بالمرض.. دعاه الإغريق “داء العظماء” اعتقاداً منهم أنه يصيبهم أثناء اتصالهم بالعالم الآخر.. أصيب به سقراط والاسكندر الأكبر ويوليوس قيصر ونابليون بونابرت، كما أصيب به بيتهوفن واسحق نيوتن وفان كوخ والفريد نوبل (وجميعهم من العظماء فعلاً)..

وبحسب منظمة الصحة العالمية يعاني من الصرع 50 مليون إنسان، وبحسب الجمعية السعودية للصرع يوجد في السعودية 177 ألف حالة وتظهر سنوياً 400 حالة جديدة – الأمر الذي يجعلنا من المجتمعات الأكثر إصابة بالمرض في العالم..

75 % من المصابين بالصرع لا يتلقون أي علاج أو يلجؤون للمشعوذين أو رجال الدين اعتقاداً منهم – أو من ذويهم – بتعرضهم لمس شيطاني أو روحاني خبيث.. غير أن العـلاج الخاطئ يتسبب بزيادة حدة الحالة ويعرض المريض لأضرار خطيرة بسبب جلسات الضرب والتنكيل واحتمال اختناقه أو كسر رقبته بسبب الجهل بالوضعية الصحيحة لمن يصاب بالحالة..

ورغـم أن الصرع غير معـد يلاحظ بكثرة لدى عائلات معينة.. ستة من كل عشر حالات تعد مجهولة السبب في حين تدخل البقية تحت خانة الصرع العرضي الذي يحدث لأسباب خلقية أو اعتلالات وراثية أو رضخ الرأس وانخفاض الأوكسجين بعد الولادة (ولعل هذا ما يفسر وجود 90 % من الحالات في الدول النامية).. وهناك دراسات تؤكد أن الظروف النفسية والاجتماعية السلبية مسؤولة عن الحالات المجهولة السبب (خصوصاً حين يعيش المريض ظروفاً نفسية متقاطعة أو يتواجد في وسط اجتماعي متناقض).. ورغم أن كثيراً من الحالات تتوقف بلا علاج.. ورغم عدم ضمان الأطباء لعد تكرار الحالة.. يخفف التدخل الجراحي وتناول الدواء (في أوقاته) من تكرار الحالات المزمنة…

  • بقي أن أخبركم عن الأسباب التي دعتني لكتابة هـذا المقال:

الأول: التوعية بالمرض وضرورة فهم الأهل لكيفية إسعاف المريض (وأنصحكم بالبحث في اليوتيوب عن مقاطع تشرح كيفية التصرف أثناء حدوث النوبة)…

والثاني: التـنبية إلى أن أخطر ما في الصرع هو كبرياء المريض الذي يجعله يتوقف عن تـناول الدواء (الذي يمنع حدوث النوبات القادمة) أو إصراره على قيادة السيارة وممارسة بعض الأنشطة بنفسه (الأمر الذي يعرض حياته وحياة عائلته للخطر)…

والثالث: التأكيد على عدم علاقة الصرع بادعاءات التلبس أو المس الشيطاني أو تراكم الذنوب.. بـل إن مجرد الإيحاء للمريض بذلك يفاقم حالته النفسية ويدخله في تأنيب ضمير يجبره على الانطواء والانسحاب من المجتمع.. .. ولاحظوا (سلمكم الله) أن نسبة المصابين به في المجتمعات العالمية أقل من المجتمعات الإسلامية، وأن طريقة علاجه في معـابد العالم المختلفة لا تختلف عـما يفعله تجار الوهم لدينا!!

Leave a Reply

*