في أي زنزانة تعـيش

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

قرأت ذات مرة قصة امرأة عربية سجنت بسبب زوجها الذي حاول الانقلاب على الحاكم .. كانت حاملا فـولدت طفلها داخل السجن .. كبر الطفل ونشأ معتقدا أن الزنزانة هي العالم كله.. وحين خرج لم يستطع التأقلم مع الناس والمجتمع وضوء الشمس فعاش حياته منعزلا داخل زنزانة اختياريه خلقها لنفسه…

القصة محزنة، ولكنها ليست نادرة.. فجميعنا إما ولـد، أو اختار العيش داخل زنزانة يرتاح فيها .. قـد تكون زنزانة فكرية أو ثقافية أو وجدانية أو أيدلوجية ولكننا نعيش ونموت داخلها معتقدين أنها العالم كله..

وهذا الحالة تسري على المجتمعات كما تسري على الأفراد..

فمعظم الأمم تعيش داخل قوالب فكرية وثقافية ورثتها منذ قرون.. تعتبرها كل العالم وتغضب لمجرد التلميح بوجود عوالم فسيحة خارجها…

وكان أفلاطون قد ضرب مثلا بمساجين ولدوا وكبروا داخل كهف افتراضي.. كانوا يديرون ظهورهم بشكل دائم لفوهة الكهف لدرجة لم يدركوا وجوده خلفهم.. كانوا مقيدين بطريقة لا تسمح لهم برؤيته (ولا رؤية أي شيء آخر باستثناء الجدار الموجود أمامهم).. لهذا السبب لم يكونوا يرون الأشياء التي تحدث خارج الكهف، بــل يرون ظلالها التي تتسرب من فوهته خلفهم.. وهكذا نشأوا داخل كهفهم معتقدين أن هذه هي صورة العالم الحقيقية، مجرد ظلال مبهمة لا تملك تفاصيل ولا ملامح ولا جرما محسوسا…

وذات يوم تمكن أحد السجناء من فـك قيوده والنظر خلفه .. شاهد لأول مرة فوهة الكهف فغمره الضوء لدرجة لم يستطع فتح عينيه.. وشيئا فشيئا بدأ يفتح عينيه ويمشي ناحية الضوء ليرى الموجود خارج الفوهة.. ذهل حين شاهد العالم الحقيقي بكل تجسيداته وبهائه وألوانه الرائعة.. تجرأ أكثر وخرج ليمسك الأشجار ويتأمل الزهور ويطارد الفراشات ويشاهد ملامحه لأول مرة على صفحة الماء.. أدرك كم كان جاهلا وغافلا عن حقيقة العالم.. أدرك أن زنزانته الصغيرة رسمت له عالما مخادعا رغم عيشه داخلها قانعا ومرتاحا.. عاد إلى زملائه في الكهف ليخبرهم بالحقيقة ولكنهم لم يصدقوه وغضبوا حين وصفهم بالجهل والغفلة.. وحين تجرأ على كسر قيودهم هجموا عليه وضربوه حتى مات، ثم عادوا لتقييد أنفسهم ومشاهدة العالم كما تعودوا عليه!!

… هذه القصة على بساطتها تطرح تساؤلات كبيرة وعميقة؛ مثل:

· هل الأشياء حولنا “أصيلة” أم مجرد انعكاس لوقائع لا نراها كاملة حولنا؟

· وهل يمكننا الوثوق بحواسنا أو ذكائنا لإدراك الحقيقة المطلقة؟

· وكيف تساهم الثقافات والمعتقدات في خلق حقائق مزيفة لا يشك أصحابها بصحتها؟

· ولماذا يرتاح الناس للعيش داخل الخرافات والأساطير التي ولـدوا ونشأوا فيهـا؟

· ولماذا يـرفضون (بل ويعـادون) من يحاول إرشادهم إلى الحقيقة ومصدر الضوء؟

· وهل الأفضل العيش في عالم مزيف (يتفق عليه الجميع) أم في عالم حقيقي يعاديك بسببه الجميع؟

· وهل يعني كل هذا، أن الحقيقة والصواب أمور نسبية تصيغها كل مجموعة بحسب “الزنزانة” التي نشأت داخلها؟

… كي تخرج من كهفك حاول أن تجيب بنفسك على هذه الأسئلة.. لا تتردد في الخروج والدخول، والمقارنة بين الحالتين .. لا تتوقع أن يفهمك الجميع، أو يتفق معك الجميع، لأن من ولد داخل الزنزانة يعـتقد أن الخروج منها جريمة…

Leave a Reply

*