كم سوف يمسحون من السبورة؟

د. جاسر الحربش
السؤال الممنوع علناً في العالم الإسلاميللتوفيق بين العبادة والعلمالداعية هنا والمبشر هناكخطورة الرهان على تحمل من لا يستطيععيب الاكتفاء بنصف المسافةسيف الجريمة والعقاب في نفس القبضةابتذال الحرية بترويج الجسد56081532.jpg

د. جاسر الحربش – صحيفة الجزيرة

الرموز من الذين كانوا يتصدرون المجالس والمنابر والفضائيات ويتوترون ليحرموا الذهاب والسياحة وخصوصاً الابتعاث إلى بلاد الكفار، هؤلاء فضحتهم تهانيهم لأبنائهم وبناتهم في مناسبات التخرج من جامعات أمريكا وكندا وأستراليا وما لا يخطر على بال من جامعات بلاد الكفر والفجور، وهكذا كانوا يصنفونها. تهاوت كل قناعاتهم أمام مصالح الذرية الخاصة لتأمين المستقبل. المجتمع السعودي، آخر مجتمع في العالم يتعامل مع ظاهرة التحذير هذه، يشهد الآن نقلة كبيرة في مفاهيم التعلم من الآخر تتهاوى أمامه ادعاءات البراء والانتفاع بخداع من لا علم عنده لمن هو أجهل منه، ثم إذا جد الجد كان هو أول من يكسر القاعدة.

الآن نحن أمام واقع جديد. البنات المتفوقات محلياًً يسافرن للاستزادة العلمية إلى كل بقاع الأرض للدراسات العليا بشرط أن يكون معهن المحرم الشرعي. المحرم الشرعي هذا انقسم بالممارسة إلى ثلاثة أنواع. نوع قد ثبت للسلطات بالوثائق أنه هو الذي يحتاج إلى الرقابة الشرعية من قبل محارمه لأنهن أصلح منه، ونوع اغتنم الفرصة الثمينة فدرس هو أيضاً وتعلم هناك ما يفيده، ونوع عاد إلى الوطن مبكراً بدون محارمه مقتنعاً بأن الرقابة في مجتمع متحرك لا دور لها مقابل المناعة الشخصية. مع هذا التغير النوعي في العقول سوف ينشأ واقع تربوي جديد. الأبناء والبنات (بعد التخرج والعودة إلى الوطن) سوف يكونون مختلفين عن الجيل الذي رباهم أطفالاًً وشحنهم كمراهقين بالمحاذير ثم استدار وسحب قناعاته القديمة. هؤلاء الخريجون العائدون كانوا يقرأون من سبورات تربوية قديمة تحمل نفس التوجيهات والتعليمات والتحذيرات، وتركز على التخويف من الاحتكاك بالكفار والمخالفين وفتح الأبواب أمام الغزو الثقافي والتفكيك الأخلاقي وفقدان الهوية.

التغير المتوقع في عقول ومفاهيم العائدين سوف يقوم على الحقائق التالية: أن العائدين من بعثاتهم يعرفون الحقائق المطبقة في التعامل في بيوتهم التي تربوا فيها من قبل ويعرفون مدى وكمية الصدق أو التقية فيها، ويعرفون مقدار صدق الإخلاص والتقوى في المواعظ مقابل البحث عن الشعبية والانتفاع بها، ثم أنهم وهذا هو الأهم تعرفوا وجهاً لوجه على الفارق النوعي في حفظ النفس والكرامة القائمة على حرية التصرف وتفعيل القوانين مقابل مثاليات الأمر والنهي، ثم وأخيراً أنهم تعرفوا على مصادر القوة الحقيقية في المجتمعات، العلمية والثقافية وتطوير الكفاءات.

هذه الأجيال يتوقع منها أن تمسح الكثير مما كان مكتوباًً على السبورات القديمة وتكتب لأبنائها وبناتها علوماًً وخططاًً وطموحات تتماشى مع متطلبات المستقبل وتطوير الذات والاعتماد على النفس. هكذا هي الحياة، لا تتضح فيها الحقائق بالتنظير والتخيلات والتخويف، بل بالمواجهة والاختبار.