لماذا الإعراض عن الأدب العربي ؟!

جريدة الرياض-عادل الدوسري

لم يبدأ الروائي والقاص المسرحي البريطاني آنغوس ولسون (1913م) بالكتابة قبل أن يبلغ الثالثة والثلاثين من عمره، وأعتقد أن هذا السن هو سن النضج الكتابي غالباً، وقد يستثنى من ذلك بعض الحالات الكتابية التي سبقت ذلك العمر ولا يمكن تعميم الخروج عن القاعدة كمنهج أساسي. ففي هذه المرحلة السنية إما أن يكتب الإنسان كتابة متزنة وواعية تنم عن خبرة ونضج وطول اطلاع، أو أن يصرف النظر عن الكتابة بشكل نهائي. وفي ذات حوار له مع مايكل مالغيت ونشرته صحيفة الباريس ريفيو وأعاد موقع (تكوين) الالكتروني نشر الحوار مترجماً وجه له سؤال حول تدوينه للملاحظات التي تسبق أي عمل يقوم بكتابته، فقال: «إنني أدوّن كتبًا من الملاحظات. فترة التخلّق التي تسبق الكتابة مهمة جدًا بالنسبة لي. إنها الفترة التي أقوم فيها بإقناع نفسي بحقيقة ما أريد قوله، ولا أظنني قادرا على إقناع قرائي بما لم أكن أنا نفسي مقتنعًا بالأمر. كما قال عن نوع الملاحظات التي يدونها «إنها عن أعمار الشخصيات، المكان الذي تعيش فيه، خرائط صغيرة، حقائق عن حيواتهم قبل أن يبدأ الكتاب.» إنه يخلق عالماً في خياله ويحاول أن يرابط بين أحداثه وشخصياته حتى يبدو ذلك العالم التخيلي أقرب ما يكون إلى الواقع، وهو بذلك يتجنب ما قد يقع فيه من أخطاء في الحبكة الدرامية والهيكل الروائي التي إن لم تكن مبنية على وقائع يعيش الكاتب معها قبل الشروع في الكتابة فإنها ستكون عرضة لوجود أخطاء بدائية لا يقع فيها كاتب مبتدئ.

هذه الطريقة التي تسبق الكتابة (القصصية أو الروائية) هي ما تجعل السيطرة على الفكرة والنص في قلم الكاتب غالباً، وليست وليدة لحظة من لحظات التجلي التي تأتي بفكرة وتسرقها. وهو ما يوجه النص إلى المسار الصحيح الذي يضع الأمور في نصابها، ويصنع التأثير ويوصل الرسالة المراد بعثها إلى ذهنية القارئ وخلده. هذا المشهد يقابله مشهد روائي عربي (ضحل) في العقد الأخير تحديداً، فيمكن لأي متتبع للمشهد أن يلحظ تنافس الكُتاب (الجدد) تحديداً على ضخ كتبهم بشكل سنوي إلى رفوف المكتبات، ليعلق السؤال الكبير في ذهن القارئ الحصيف وهو: متى تسنى لهؤلاء الكتاب صناعة كل هذه العوالم ومراجعتها وإقناع أنفسهم بها؟ ويمكن لهذا القارئ أن يجد الإجابة بكل سهولة حين يشرع في قراءة إحدى هذه الروايات فيكتشف الكثير من الأخطاء البدائية منذ الفصل الأول للرواية. ولن تمهله صفحات الرواية كثيراً حتى يكتشف مدى ترهل الأسلوب وتيه الفكرة، واندلاع الأخطاء الدرامية في مفاصل الرواية كما تندلع النيران في فُتات الخشب. مما يجعله يحجم عن قراءة الكتب الجديدة، وربما يعرض عن قراءة الأدب العربي بأكمله. مشهد آخر يستفز أي قارئ يحمل الهم الأدبي ويرغب في تنوير عقله بقراءة شيء من الأدب الممتع، فقبل عدة أيام انتشر مقطع لأحد الكُتاب الشباب الذي لم يكمل العشرين من عمره وقد ألف ثلاث روايات كان أولها وهو ابن الستة عشر ربيعاً، وكان يتحدث عبر حسابه الشخصي في (سناب شات) عن أحد أعمال الأديبة الكويتية (سعدية مفرح) وقد عمد إلى تقييم كتابها، ووضع ملاحظاته وهو يعتمر قبعة الناقد الذي بلغ من الكتابة عتيا. الرواية العربية التي بدأت تتصدر المشهد الثقافي سوف تتقهقر شأنها شأن الشعر إن لم يتم تقنين إصدار هذا الكم الهائل من الغثاء الدخيل على سوق الرواية والروائيين.