لنجرب أولاً .. ثم نحكم

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

هناك فرق بين التجربة ، والخوف من خوض التجربة…

بين فعل الشيء ، والهـم الذي يسبق فعل الشـيء…

بين النتائج، وتخمينك المسبق لما ستؤول إليه النتائج…

… الفعل والتجربة أمور مؤكدة وملموسة ويمكن الحكم عليها.. أما الخوف والهـم والظنون المسبقة فغير مؤكدة ويصعب الحكم عليها (بــل وقد لا تعني أحدا غيرك)..

لهذا السبب لا يفترض بنا الحكم على الأشياء قبل تجربتها، أو تخمين النتائج قبل صدورها، أو افتراض الشر قبل وقوعه، أو تهويل الأفعال وإعطاء الأمور أكبر من حجمها…

أقول هذا لأنني مازلت أسمع فتاوى تصدر قبل رؤية النتائج.. آراء فقهية تعتمد على التخمين والظن المسبق وقاعدة سد الذرائع.. أسمع عن قرارات منع وحظر أشياء لم تحدث أو لم يسمع بها الناس أصلا.. طبيعتنا المتشككة تفترض دائما حدوث الأسوأ في أي اقتراح أو قضية مطروحة للنقاش.. يميل حتى عامة الناس لإبراز السلبيات والاستشهاد بالنوادر (بحجة الخصوصية أو سد الذرائع أو حتى دواعي الأمن والسلامة)..

ولكن المشكلة تكمن في طبيعتنا المحافظة التي تمنعنا من المبادرة والتجربة واتخاذ الخطوات الجريئة.. فخوفنا من التجربة يمنعنا من خوضها أصلا.. وتضخيم السلبيات يجهض أفكارنا الجريئة في مهدها.. أما أحكامنا المسبقة فـكثيرا ما أبعـدتنا عن الصواب وجعلتنا نغرد بعيدا عن العالم..

في الماضي القريب كنا نمنع ونحرم أشياء كثيرة أثبتت تجربتها (خلال العقود الماضية) أنها لم تكن بالسوء الذي ظنناه.. صحيح أن من نادى حينها بالتحريم قدم أدلة استشهد بها على رأيـه، ولكنها تظل في النهاية احتمالات استثنائية وحالات نادرة لا يجب أن تطمس الصورة الكبيرة (والنادر كما قال الفقهاء لا حكم له)…

الاستعجال بالمنع أو التحريم يعيق إنجازاتنا ويؤخر تطورنا (ولك أن تتصور حالنا اليوم لو استجابت حكوماتنا المتعاقبة لآراء من حرموا تعليم المرأة أو استعمال اللاسلكي).. وياليت الأمر كان سيقف عند هذا الحد كون الاستجابة للأفكار المتشدد يستدعي ماهو أشد منها ـ كما أثبتت تجربة طالبان في أفغانستان وداعش في العراق والشام.. لو راجعنا أسباب اختلاف الأمة الإسلامية اليوم لاكتشفنا أنها أما خلافات فرعية أو تاريخية أو مسائل غيبية لم تجرب أصلا ولا يمكننا بالتالي الجزم بها…

لا أحد يطالب بتجربة ما تم تحريمه بنص صريح (كالخمر والميسر أو حتى الـربا الذي تحايلنا عليه) بــل بتجربة المستجدات الحديثة من أنظمة، وإجراءات، وتقنيات، وتنظيمات اجتماعية قبل الحكم عليها.. لا أتحدث عن التشريعات الفقهية المتفق عليها، بـل عدم التوقف عند الفتاوى الظنية والآراء الشخصية التي تلوي أعناق الآيات والأحاديث ــ بطريقة لم نعهدها في القرون الماضية ولم نسمع مثلها في بقية الدول الإسلامية …

ما أطالب به هو أن نجرب أولا قبل أن نحكم .. أن نتوسع في قاعدة فتح الذرائع (التي لم يسمع بها معظمنا) بدل “سد الذرائع” لأسباب افتراضية وظنية .. أطالب بالعـودة لقاعدة “الأصل في الأشياء الإباحة” وما لـم يرد فـيه نص صريح لا يجوز منعه أو تحريمه قبل دراسته وتجربته على أرض الواقـع..

فـفي النهاية (الظن لا يغني من الحق شيئا).

Leave a Reply

*