ماذا حدث في كرمة ابن هانئ؟

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

الشيخ زكريا أحمد (1961-1896) أحد كبار الملحنين الذين رافقوا أم كلثوم في بداية حياتها.. حفظ القرآن وتخرج من الأزهر والتحق بفرقة التواشيح الدينية ولم يكن يرى بأساً في الغـناء. ورغم أنه لحن لها أكثر من عشرين أغنية كان لأغنية “الأوله في الغرام” قصة جميله تستحق الذكر.. فقد ذهبت أم كلثوم لتعزيته في وفاة ابنه الوحيد محمد، ولكنه كان مصدوماً ومذهولاً لدرجة لم يشعر بوجودها.. كان متخشباً لا يتحدث ولا يتحرك ولم تنزل من عينيه دمعة واحدة.. قلقت على حاله فاتصلت برفيق عمره الشاعر بيرم التونسي (وكان حينها في الإسكندرية لا يعلم بما حدث) وطلبت منه الحضور ومحاولة إخراجه من حزنه.. وحين وصل بيرم لمنزل الشيخ زكريا جلس بقربه يحدثه ويواسيه.. غير أن الرجل كان في حالة صدمه فلم يشعر به أيضاً.. استمر في الحديث وأخبره أنه كتب قصيدة جديدة يود معرفة رأيه فيها.. لم يرد عليه الشيخ زكريا ولكن بيرم بدأ في سردها حتى وصل للمقطع الذى يقول:

حطيت على القلب ايدي وانا بودع وحــيدي

وأقول يا عين اسعـفيني وبالدمع جودي

من يوم ما راح حبيبي وانا بداوي جروحي

اتاري في يوم وداعه ودعـت قلبي وروحي

.. وهنا نزلت دمعة الشيخ زكريا وأجهش بالبكاء وجادت عيناه بالدموع وبكى معه الحضور.. ورغم أن بيرم لم يطلب منه تلحين القصيدة، لم ينسَها الشيخ زكريا وأصبح يدندن بها حتى تحولت عام 1944 إلى لحن مليء بآهات وأحزان أبدعت أم كلثوم في إلقائها..

أيضا هناك قصة جميلة لأم كلثوم مع أحمد شوقي (1932-1868).. ففي ثلاثينيات القرن الماضي كان شوقي علماً من أعلام الأدب (اعترف له الشعراء بإمارة الشعر) في حين كانت أم كلثوم لاتزال فنانة مبتدئة حضرت للتو للقاهرة.. كانت معجبة به ولكنها تخشى التعاون معه بسبب شعره الفصيح (ناهيك عن تبنيه لموسيقار منافس هو محمد عبدالوهاب الذي أبدع في تلحين قصائده الصعبة مثل مضناك جفاه مرقده).. غير أن أحمد شوقي (الذي كان يملك مجلساً أدبياً يدعى كرمة ابن هاني) وجه إليها الدعوة من خلال صديقهما المشترك الشاعر أحمد رامي.. لبّت أم كلثوم الدعوة بكل سعادة وقامت بالغـناء أمامه فطرب شوقي لدرجة قـام وصب لها كأساً من النبيذ (الطلا) وقدمه لها دون بقية الحضور.. أم كلثوم لم تكن تشرب (الخمر) ولكنها تصرفت بدبلوماسية ومجاملة فكانت ترفع الكأس ليمس شفتيها دون أن تشرب منه شيئاً.. لاحظ شوقي تصرفها هذا فأدرك أنه أخطأ فـزاد تقديره لها.. وما أن ذهب الضيوف وخلا المجلس حتى كتب فيها قصيدة جاء فيها:

سلو كؤوس الطلا هل لامست فاها

واستـخبروا الراح هل مسّت ثناياها

حديثها السحر إلا أنه نـغــم

جرى على فــم داود فغنـّاها

وفي الصباح بعث لها القصيدة في مظروف (وتقول بعض الروايات إنه وضعها بنفسه عند باب بيتها).. وحين وجدت أم كلثوم المظروف ظنت أن شوقي بعث لها مقابلاً مادياً نظير غنائها في مجلسه، إلا أنها وجدت القصيدة ففرحت بها فرحاً شديداً.. ولكن، رغم جمال القصيدة أدركت صعوبة تلحينها (ناهيك عن وفاة شوقي في السنة ذاتها) فبقيت في أدراجها حتى عام 1944 حين عرضتها على صديق صباها رياض السنباطي الذي قـال “سأحاول”.. ونجح في تلحينها فعلاً..