نريد وزارة للتعليم الذاتي

فهد عامر الأحمدي – جريدة الرياض

يقول أنشتاين: المدرسة تمنحك شهادة ولكن القراءة تمنحك عقلاً…

وأنا شخصياً أعتقد أن الأمر (لو ترك للمدارس الحكومية وحدها) لما رأيت أديباً أو مثقفاً أو مبدعاً في أي مجتمع.. لا يمكن للمدرسة (ولا أي مناهج مقولبة) أن تمنحك ثقافة وعلماً وعقلاً مميزاً.. أفضل الأنظمة التعليمية في العالم هي أقلها تشويهاً للعـقول والأكثر تساهلاً في إمكانية الانعتاق منها…

وفي هذا المقال سأعقد مقارنة سريعة بين محصلات التعليم الرسمي، والتعليم الذاتي.. بين المناهج المدرسية، والقراءة الحـرة .. بين دور المدرسة في قولبة العقول ودور الكتب في بناء العقول:

· فالتعليم المدرسي يفرض علينا مثلاً مجموعة محدودة من الكتب والمناهج، في حين تمنحنا القراءة الحرة فضاءات غير محدودة من الكتب والأفكار والمعارف…

· المناهج المدرسية تفرض وكأنها كتب مقدسة (بدليل رسوب من يخالفها) في حين لا يحدث ذلك من أي كتاب نختار قراءته أو نقـده أو رفض ما فـيه..

· ولأنها تفرض أفكاراً مقولبة ومسبقة الصب (ألفها غالباً أشخاص مقولبون ومسبقو الصب) من الطبيعي أن تنتج جيلاً ليس فقط مقولباً بــل وناقلاً للمعرفة عاجزاً عن توليدها…

· وفي المقابل، يمنحك “التعليم الذاتي” أفكاراً حرة، وآراء مختلفة، ومعارف متقاطعة تنتهي بخروجك بحصيلة إبداعية تخصك وحدك (في حين لن تتعلم شيئاً جديداً حين تقرأ ما يناسب ميولك فقط)…

· ومرحلة بعد أخرى يرسخ التعليم الرسمي مفاهيمه الضيقة في عقول الطلاب حتى ينتهوا من الجامعة مكبلين فكرياً وعاجزين ذهنياً عن الإبداع (وكيف يبدعون وقد تعلموا حرمة الاعتراض والمخالفة)…

· أما من حيث الكمية، فتتطلب الدراسة الجامعية خمس أو ست سنوات (يكتفي فيها الطالب بقراءة كم كتاب) في حين يستمر عشاق القراءة في فتح الكتب وتحصيل المعرفة حتى.. يتوفاهم الله..

· والنقطة الأخيرة تذكرنا بحقيقة انتساب معظمنا للتعليم الرسمي (ليس حباً في العلم ذاته) بل للحصول على شهادة وترقية وظيفية ــ بعكس منسوبي “التعليم الذاتي” الذين لا يسعون لذلك ويتعلمون حباً في العلم ذاته…

· باختصار؛ كل ما سبق يعني أن “التعليم الذاتي” يتفوق على “التعليم الرسمي” في الإخلاص، وطول المـدة، وكمية الاستيعاب، ونوعية المعرفة، وحرية الاختيار، وجراءة النـقـد، وسهولة الإبداع.. والفوز بجوائز نوبل!!

… كل المعوقات السابقة (التي يسببها التعليم المنهجي لعقول الناشئة) تجعلني أطالب مدارسنا بتفعيل دور المكتبات المدرسية، وتخصيص نصف اليوم الدراسي للقراءة الحرة والنشاطات اللا منهجية..

أطالب الجامعات بتشجيع طلابها على حرية الإبداع والانتـقـاد ومنح شهادات أكاديمية في تخصصات (لا منهجية) يبدعونها بأنفسهم..

أطالب وزارة التعليم بابتكار اختبارات (خارج إطار المناهج) تقيس مستوى الذكاء والثقافة والموهبة والقدرة على الإبداع والابتكار..

أطالب أولياء الأمور بتشجيع أطفالهم على نقـد المناهج المدرسية، وقراءة كتب خارجية يختارونها بأنفسهم ـــ بـل وتخصيص 30 دقيقة قبل النوم للقراءة الحرة (كما أفعل مع أولادي)…

وكل هذا يمكن جمعه تحت مظلة وزارة رديفة مهمتها تعزيز الذكاء والثقافة والإبداع والتنافس العلمي في المجتمع (تحت مسمى وزارة التعليم الذاتي)…

… ورغم كل هذا لن يتوقف مجتمعنا عن تفريخ العقول المقولبة، ولكنه سيمنحنا على الأقل نظاماً معرفياً أقـل تشويهاً للعـقول وأكثر تساهلاً مع الإبداع وإمكانية الانعتاق …

Leave a Reply

*