هل سمعت بكتاب “اللصوص” الذي ألفه الجاحظ وضاع!

البخيل وأولاده

العربية. نت – عماد البليك

اشتهر الأديب العربي أبوعثمان عمرو بن بحر البصري، المعروف بـ #الجاحظ والذي عاش في العصر العباسي في الفترة من 159 إلى 255 هجرية، بكتابه “البخلاء”، والعديد من المؤلفات الموسوعية الأخرى، بيد أن له كتابا ورد ذكره في التراث دون أن يتم العثور على نسخة منه، يعالج قضايا اللصوص والسرقة ومجتمع السارقين.

وقد أشار الجاحظ إلى هذا الكتاب في مقدمة كتابه “البخلاء” إذ يبدو أنه قد كُتب سابقاً له، وجاء اهتمامه بهذه الموضوعات كاللصوصية والبخل، نسبة لما شهدته تلك الفترات من مجتمع يزدحم بالصراع الشديد، الذي ولّد العديد من الموضوعات الاجتماعية الثرية، التي عمل الجاحظ على النظر إليها بعينه الثاقبة.

وتذهب بعض الروايات إلى أنهما كتابان وليس كتاباً واحداً، الأول باسم “حيل لصوص النهار” والثاني باسم “حيل سراق الليل”، وهناك من ينظر إليهما ككتاب واحد باسم “كتاب اللصوص”.

وقد أشار المؤرخ الخطيب البغدادي إلى أنه من الكتب التي صنفها الجاحظ، وقد ضاعت من جملة ما ضاع من تصانيفه.

بين البخل واللصوصية

يرى الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو أن إحالة الجاحظ إلى “كتاب اللصوص” في تقديمه لكتاب البخلاء، لم يكن أمراً اعتباطياً، بل إنها: “تدعونا إلى قراءة كتاب البخلاء كجرد لمناورات أنصار البخل، وهم قوم دوماً يقظون محترسون، إلى درجة أنهم يعتبرون الآخرين لصوصاً فعليين أو محتملين”.

وكأنه يضع البخل في مقابل اللصوصية، أو إذا كان اللصوصية سرقة في الاتجاه (أ) فإن البخل سرقة في الاتجاه (ب)، الأولى تسرق من الآخر والثانية تسرق من نعمة الذات وتمتعها بالحياة وطيبها.

وفي الكتابين من الواضح أن الجاحظ اهتم بقضية المال والصراع الاجتماعي عليها، سواء من قبل أصحاب الشحّ، أو السارقين الذين ينهبون مال الآخرين سواء بشكل ذكي وحيل أو بالعنف والقوة، وكان ذلك في عصر لا يمكن فصله عن بقية العصور الإنسانية في اتسام الناس بالجشع والشح والأنانية والبخل واللصوصية، من مفردات متداخلة.

ويكشف تحليل هذه الظواهر وجمع تراثها، دليلاً على تقدم عقلي وحضاري يحاول أن يفهم أنسقة المجتمعات وطريقة حركة المال فيها، وكيف تسير علاقة الناس مع تصريف الأموال وبذلها أو الاستيلاء عليها بشتى الصور.

وإذا كان كتاب البخلاء يصوّر لنا نفوس البشر وطبائعهم بالإضافة إلى أنه يعكس التجربة المباشرة للجاحظ في الاحتكاك بالمجتمع، فلابد أن كتاب اللصوص يأتي أيضا قائماً على التجربة والذكاء الذي تمتع به الجاحظ في تسجيله الموسوعي بالإضافة إلى تضمينه للقصص والأشعار والحكايات.

منهج “كتاب اللصوص”

يتحدث الجاحظ عن “كتاب اللصوص”، فيصف لنا منهجه وأسلوبه بأنه لو سمع بقصة عن لص، يعمل على تقصيها، ليخرج عنها الكذب ويأتي بالرواية الصادقة، ويشير هنا: “وقد رأيت بعضاً منهم وجالستهم”.

ويدل ذلك على دأب في المعرفة والحضور الذي يشكل أهم صفات الباحث العلمي والموسوعي، بأن يخلق أثراً اجتماعياً شاملاً من خلال عمل مستمر ومتقصّ ويتسم بالمراجعة للحقائق، حتى لو أن طبيعة الموضوع تتعلق بالسرقة واللصوصية.

وتورد بعض المصادر أن كتاب الجاحظ قد يكون سجلاً للصوصية ليس في عصره فحسب، بل إنه قد قام فيه بتتبع الأمر من الزمن الغابر إلى زمنه المعاصر، وأنه كان يقوم على معالجة فنية وليس مجرد عمل إخباري.

ويقول عنه الخطيب البغدادي: “هو في تصنيف حيل لصوص النهار، وفي تفضيل سراق الليل، جمع فيه لطائف الخدع، وغرائب الحيل”، أي أورد القصص الطريفة والمسلية على شاكلة ما في “البخلاء”.

سجل اللصوصية في التراث

بالإشارة إلى سجلات اللصوصية في التراث العربي، فقد ذكر ابن النديم في كتابه “الفهرست” العديد من الكتب التي تحدثت عن طائفة السُرّاق، وفنون السرقة، ومن ضمنها: “كتاب السرقة وقطاع الطرق” لمؤلفه محمد بن حسن المتوفى سنة 189 هـجرية، الذي يعتبر أقدم الكتب في هذا الموضوع، ويبدو أنه سبق الجاحظ أو استفاد منه.

وهناك كتاب “الحراب واللصوص” لمؤلفه لأبي هلال لقيط المحاربي المتوفى سنة 190هـ؛ وأيضا كتاب “الراحة ومنافع العيارة” لأبي العنبس الصميري المتوفى سنة 256هـ؛ وكتاب “أشعار اللصوص” لأبي سعيد السكري المتوفى سنة 275 هـ؛ وهو متقدم زمنياً بالإضافة لكتاب متقدم آخر وهو “كتاب السرقة” لأبي سليمان داود بن علي الأصفهاني، المتوفى سنة 270هـ.

ويكشف ذلك أن للسرقة واللصوصية سجلا حافلا وتراثا فنيا وأدبيا، انعكس من طبيعة الوقائع الاجتماعية وحالها في تلك الأزمنة، وكان ثمة طبقات في اللصوص أنفسهم وثقافة عامة.

ويرد تصديقاً على ذلك في كتاب “محاضرات الأدباء” للراغب الأصفهاني، في ذكر وصية شيخ اللصوص في بغداد عثمان الخياط لرجاله من اللصوص الفتيان إذ يقول لهم: “جسّروا صبيانكم على المخارجات وعلموهم الثقافة، وأحضروهم ضرب الأمراء أصحاب الجرائم، لئلا يجزعوا إذا ابتلوا بذلك.

وخذوهم برواية الأشعار من الفرسان، وحدثوهم بمناقب الفتيان وحال أهل السجون. ولابد لصاحب هذه الصناعة من جراءة وحركة وفطنة وطمع، وينبغي أن يخالط أهل الصلاح”.

Leave a Reply

*