هل يتقاعد الكاتب؟!

يوسف الكويليت – جريدة الرياض

خيار صعب أن تخرج من غبار الكتب وأحبار الحروف إلى السرير العريض في منفى اختياري من عالمك الذي بنيته بسنين عمرك، إلا إذا كانت عوامل ضمور الذاكرة والاهتمام بالذات والدخول في مرحلة المراجعة النفسية، أو صدمة خاصة لم تستطع مقاومتها بحجبك عن عالمك المفترض هي من تعيقك، لكن الأسباب تأتي بدوافع أخرى مختلفة تماماً مثل أن تدخل الظل أي تتوارى عن القارئ لفشلك في التأثير عليه وكسب محيط آخر، فهنا تعتبر من المسلمات أن تقف بفعل الواقع وحتمية ضغطه المباشر..

مبدعون أنجزوا أعمالاً هائلة في عمر متقدم، وشباب اضطروا الرقاد على السرير العريض، لأن الحافز بين الأوائل ظل يدفعهم للعطاء المستمر باستقبال هائل من القراء، والآخرون وقفوا على عتبة النهاية لفقدانهم التحريض الذاتي والمبادرة والحوافز، وقد لا تكون هذه قاعدة ثابتة أو معيارا دائما..

لا أظن أن التقاعد عن الكتابة مقيد بعمر ما إذا كانت الظروف ذاتها متوالية بأحداثها وزخمها، فقياس مدى إغلاق الباب على الكاتب أو فتحه موكول لمدى رضا الرأي العام عنه وعطائه، ورغم الأحكام السياسية ومغاليقها، وسقف الحريات المنخفضة للكاتب، فهناك من يستطيع إيصال الفكرة بموضوعية وبدون صدام، وهذا ما نحتاجه في الطرق الوعرة في المنطقة كلها..

الكاتب إنسان تتصارع فيه عوامل الخير والشر وكذلك التبعية لمذهب أو حزب أو طائفة، وهذا عامل مشترك بين مختلف الأمم والشعوب، وصورة الكاتب في هذا المحيط العربي المضطرب تقوّم وفق اتجاهه وقد كانت من الأسباب التي أدت إلى هجرات العديد من الكتاب، أو خضوعهم لمحاكم التفتيش والسجون، وخاصة في مرحلة ما سمي بعصر ما بعد الاستقلال، حيث حلّت السلطة الموجهة من الثكنة على شرعية القانون، وحتى حدوث متغيرات جديدة قادت الكثيرين من صناع الرأي إلى العزلة، أو محاكمة الذات ومراجعتها حول تلك الأفكار الأيدلوجية حتى جاء تيار آخر يعود بنا إلى تكفير أي صاحب رأي يخالف طروحاتهم، فخرجنا من عصر «الدهرية» والشيوعية ونظم الأحزاب الشمولية، إلى قانون الوصاية على الكاتب فظهرت تهمة العلمانية كساتر على العقل دونما تحليل لمضمونها وسياقها التاريخي..

شهداء القلم بوطننا العربي كثيرون لأن الكلمة الحرة تدخل باب المحرمات إلى أن جاءت وسائل التواصل الحديثة لتكسر «التابو» وتصبح مفصلاً لقطع الطريق على صلاحيات الرقيب، لتبعث في روح الكاتب نشاطاً جديداً يعيده من تابوت التقاعد إلى طابور الفاعل، والمتفاعل!! .

Leave a Reply

*