وجهاء بلا وجوه

بقلم: جاسم المجاسم-المشرفشرف

الوجيه مرآة لمجتمعة لا مرآة لذاته.. أنى لمن لا يرى ولا يسمع إلا نفسه أن يُمثِّل مجتمعه!.

الوجاهة والثراء

ولا نجد ثمة تلازم بين الثراء والوجاهة، فـ “قيمةُ الإنسان بما يُعطي لا بما يملك”، أنتَ كبيرٌ بعطائك لا بمالك ونسبك وحسبك، فهذا أبو طالب (مؤمن قريش)، كان مِن أفقر الناس، ولم يمنعه فقرُهُ المُدقِع لأن يكون سيد قومه، وسيد وجهاء العرب، لا لشيء سوى أنه حمل هموم مجتمعه، وناصر المظلوم، واقتصَّ مِن الظالم، ولم تأخذه في الحق لومة لائم، يعين المحتاج، ويرشد الناصح، وكان بمثابة الأب العطوف لذالك المجتمع.

عجباً أيكون في الجاهلية مِن الوعي بمفهوم الوجاهة ما ليس عندنا نحن أبناء العلم والمدارس والمنابر والجامعات!

إنَّ مَن يملك المليارات، ويتباهى بالثراء الفاحش هنا وهناك، ولا شأن له بمجتمعه، وما يعانيه مِن أزمات ومشكلات اجتماعية واقتصادية وغيرها، منصرفاً عن ذلك المجتمع، منكباً على أرصدته وأمواله ومصالحه لا يمثل بحال هذا المجتمع، وليس مؤهلاً لأن يتكلم بالنيابة عنه، ولا يمكن أن يكون صوته وصورته؛ لأنه-وببساطة- لا يمثل إلا نفسه التي لا يرى غيرها!.

مَن هو الوجيه؟

الوجيه فيما أحسب: هو مَن عايش أمته ومجتمعه، يتحسس ألمه وأمله، وهمومه وتطلعاته، وأزماته ومطالبه، ولا يألوا جهداً في التضحية بمصالحه الشخصية لرفعة مجتمعه وتقدمه، يُغلِّبُ حاجات الناس على حاجاته، يبذل جاهه للصغير والكبير، والقريب والبعيد؛ ليقضي حاجة هذا ويفكَ عوز ذاك، ويأخذ بيد آخر؛ ليجعله على الصراط القويم.

إنَّ مفهوم الأسرة عند الوجيه الحقيقي يمتدُّ ليشمل أسرَ الناس، ومفهوم البنوة يتسع ليشمل أبناء المجتمع، وكذا الأخوة والعشيرة.

ليست الوجاهة عباءة نتباهى بها في عزاء واحتفال، أو زيارة وزير، أو لقاء أمير. لا يسودُ الإنسان في مجتمعه إلا بالعلم والأدب والاستقامة والعطاء.

الوجاهة مسؤولية عطاء، والوجيه هو مَن نذر نفسه لرب الناس، والناس غنياً كان أو فقيراً، صغيراً كان أو كبيراً، مِن عائلة مشهورة أو مغمورة؛ “لأنَّ الشريف مَن شرفته طاعة الله، والعزيز مَن أعزته عبادة الله”، لا مَن توهم الشرف في التزلف لسلطان، أو التباهي بعباءة ولباس.

كثيرون هم أصحاب الوجوه المقنَّعة الذين يدعون الوجاهة ويضعون أنفسهم في موقع التمثيل للمجتمع، لا لشيء سوى أنهم مِن عائلة كذا، أو صاحب شركة كذا، أو تربطه مع هذا مصلحة أو صداقة، وعندما تبحث عن عطائهم، ووعيهم وعلمهم فلا ترى إلا جعجعة لا ثمرة فيها، ولا تسمع إلا رعوداً لا مطر معها!!.

كم يظلم نفسه مَن يضع نفسه فوق موضعها، ويعطيها فوق حقها، وكم نساعد الظالم على ظلمه عندما نُكرِّس مثل هذا الواقع، أليسَ العدل هو أن تضع الشيء في موضعه وتعطي كُلَّ ذي حقٍّ حقه؟

مَن ينتخب الوجيه؟

وكم هو قاسٍ واقعنا الذي أزرى به التخلف لأن يضع الواحد منا نفسه في غير موضعه فيُصفق له، ويُزمَّر، وفي أحسن الأحوال لا نكترث بخطورة ما يفعل، ثمَّ يخرج بخطابٍ يفتقر لأبجديات الثقافة الحقوقية، والوعي السياسي والاجتماعي باسم المجتمع أو الطائفة والوطن، والأدهى مَن ذلك قد يساوم على قوة ووحدة وعزة وكرامة مَن يمثلهم كرامةً لِمن لم يعرف لنا كرامة، أو يختزل مطالبنا في مطلب يضحك الثواكل!.

وَالوجيه رسول مجتمعه، ونحن-المجتمع- الذين يُرمّزُ الرمز، ويصنعه، لا الذي تبرع مِن تلقاء نفسه في تمثيل مجتمع لا يعرفه، ولا يثق برجاحة عقله ووعيه وحكمته، ولا يعتدُّ به، نحن الذين يحدد مَن يمثلنا لا الذي يحدده سلطان المال أو سلطة السياسة، والإعلام.

نعم قد يمثلنا مَن تواطأنا صراحة أو ضمناً عليه مِن علماء دين أو ناشطين اجتماعيين يتسمون بالوعي والحكمة والتفهم، والقدرة على قراءة الواقع، وبُعد النظر، والجرأة والشجاعة والصراحة، وبمثل هؤلاء نفخر ونعتز، ونطمئن، ونسكن، ولم تُعدم الساحة أمثالهم.

إننا في هذا الظرف الاستثنائي العصيب لفي أمسِّ الحاجة لإعادة المراجعة للعديد مِن المفاهيم والتصورات، حتى في أبجديات الوعي؛ لننطلق بحركة ترقى إلا مستوى الحدث والمسؤولية التي نحن محاسبون عليهم ومعاتبون أمام التاريخ والأجيال اللاحقة، وإذا ما بقينا على هذا التخبط في المواقف عبر تلك الدوائر المتفرقة التي لا التقاء بينها ولا اتصال رغم وحدة الهدف والمنهج والمصير فهل ستعتزُّ بنا الأجيال المقبلة، أو ستعاتبنا، هل ستترحم علينا، أم…؟!

هالة مِن وهم

كم كنتُ أحسب أنَّ بعض الأسماء بحجم هالة الوهج الذي كانت وما زالت تُرينا إياه، ولكن شواهد الامتحان قالت بصوتٍ مرتفع: هم ليسوا كذلك، فهناك ظواهر صوتية، وصور سرابية لا حقيقة لها، أو حقيقتها أصغر مما تصورته بكثير!.

إنها واللهِ لصدمة… ولكن هل أنا قادر بعد هذه الإحداثيات الجديدة، والتحولات المتسارعة على إعادة قراءة الواقع بلغة ثانية، وإذا كان كذلك هل سيحترم مَن ينادي بحرية الرأي مِن قومي هذه اللغة وإنْ كانت تدينهم؟

الذي أعرفه أن كلا منا بين جنبيه دكتاتور متسلط يحقد على ذاته أحياناً، وإنْ كنا نلعن المتسلطين ليل نهار، وقليلون هم الذين روَّضوا الوحش الذي في داخلهم، وعرفوا حدودهم، وَ (رَحِمَ الله مَن عَرَفَ قَدرَ نفسه).

المصدر: المنيزلة نيوز