25160
(1 تصويت, متوسط 5.00 من 5)
|
كتب editor1
|
|
الخميس, 06 أكتوبر/تشرين أول 2011 11:52 |
|
القدس العربي - سالم قواطين
في ظُلمات الدكتاتورية والقهر والأستبداد وغياب الديمقراطية والحرية وإنتهاك حقوق الأنسان، نوعان من الخوف ينموان ويتغلغلان في الصدور ورغم أن الخوف هو الخوف، دعونا نُفرّق بينهما، ونطلق على أحدهما إسم الخوف المعنوي، الذي يكمم الأفواه، ويجمد العقول، ويشل التفكير، ويعيق الأبداع، ويؤدي إلى الأنكفاء على الذات، بحثاً عن السلامة والأمان.
والنوع الثاني من الخوف هو الخوف المادي، وهو الخوف من الحاجة والفقر والبطالة والمرض، والخوف من الأعتقال والسجن والملاحقة وربما القتل، وفي كلتا الحالتين يلجأ الأنسان إلى العائلة والقبيلة والطائفة، كملاذ آمنٍ يحقق له الحد الأدنى من الحماية، في غياب دولة الضمان الأجتماعي والصحي، وفي غياب دولة القانون، وتغول دولة البوليس والمخابرات، كما وأن فقدان العدالة والمساواة. وإنتشار الفساد والوساطة والمحسوبية، في مثل هذه الدول، يعطي دوراً فاعلاً مؤثراً وضاغطاً للعائلة والقبيلة والطائفة من أجل تحقيق المصالح والخدمات لأبنائها. في النظم الدكتاتورية العربية تنتهك الحقوق والحريات العامة لعموم المواطنـــــين، بينما يتمتع أبناء بعض القبائل والطوائف بالحظوة والأمتيازات، لأن هذه النظم، والقائمة أساساً على العائلة او القبيلة او الطائفة، تستعمل، كسياسة عامة، هذه الكيانات، كشركات لتقديم الخدمات الأمنية، والمرتزقة، والقوى البشرية عموماً لتحقيق مصالحها في حماية هذه النظم والدفاع عنها، في مواجهة الغالبــــية العظمى من المواطنين، مما يضمــــن لها السيطرة والأمن والأســــتمرار، وكسب الولاءات، مقابل المحاباة وتقديم الأمتيازات والوظــائف العامة، وخاصة في الجيش والأجهزة الأمنية لأبناء هذه الطوائف والقبائل. وتقوم الثورات، كما حدث في ربيع الثورات العربية، في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية، بكسر حاجز الخوف، ثم تحطيم أسواره التي بنتها تلك الأنظمة الدكتاتورية حول نفسها، ثم إسقاط تلك الأنظمة والقضاء عليها، ويتوج النصر بالقضاء على الخوف نفسه بنوعيه المادي والمعنوي وإزالة أسبابه، من خلال إقامة وتحقيق وحماية مبادىء الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وحقوق ألأنسان. فالحرية تعني حرية التفكير والتعليم والتعبير والعمل وإختيار نوع العمل، وحرية التنقل والتصرف، وحرية ألأشتراك في ألأجتماعات والمنظمات والجمعيات المدنية التي يبيحها القانون. والديمقراطية تعني، أن لكل مواطن الحق، دون تمييز، وعلى قدم المساواة مع سواه، في أن يشــــارك في إدارة الشؤون العامة، مباشرة أو عن طــريق ممثليين يُخــــتارون من خلال إنتخابات حرة ونزيهة، ودون ضغط أو إكراه. والعدالة والمساواة تعني أن جميع الناس أحرار متساوون في الكرامة والحقوق والحريات والفرص، دونما تمييز من أي نوع، ولأي سبب كان، وهم سواء أمام القانون متساوون في حق التمتع بحماية القانون، ودونما تمييز، وحق اللجوء إلى القضاء الحر المستقل المحايد. أما حقوق ألأنسان فهي تشمل حق الحياة والحرية والأمن والكرامة الأنسانية والعيش الكريم، وحق التملك وحق التنقل وحق العمل وحق التعلم، وحق الضمان الأجتماعي والصحي، وحق الراحة، وحق المشاركة في الحياة السياسية والأجتماعية والثقافية، وحق الزواج وتأسيس أُسرة. وبالتالي فإن إنتصار الثورات العربية، وتحقيق ما تنادي به من مباديء، يعيد للأنسان العربي إنسانيته وكرامته وحريته وثقته بنفسه، ويخرجه من حالة الأنكفاء على الذات التي سببها الخوف المعنوي، ومن حالة إنعدام الثقة بالذات، بسبب الخوف المادي، الذي جعله في حاجة دائمة لرعاية وحماية القبيلة او الطائفة. في غياب أي وسيلة أُخرى للضمان الأجتماعي والصحي، والتي يفترض أن توفرها الدولة المسؤولة عن مواطنيها، كما هو مشاهد ومعمول به في الدول الديمقراطية. إن إنتصار الديمقراطية والحرية في ربيع الثورات العربية، هو إستعادة للوطن المغتصب من غاصبيه، وتحرير لملايين المواطنين العرب من سجون الأستعباد والأذلال والقهر الفكري والمادي. وبعكس الدولة الدكتاتورية التي تزرع الجوع والخوف كأسلحة تواصل من خلالها أذلال المواطنيين وفرض وجودها، فإن الدولة الديمقراطية تحمل المسؤولية الكاملة من أجل تحقيق الأمن والحماية والرعاية، في مجالات التعليم والصحة والعمل، بحيث تصبح الملاذ الأمن لجميع المواطنين من 'الجوع والخوف'. في زمن الديمقراطية تأخذ العائلة والقبيلة والطائفة، مكانها ودورها الطبيعي الذي يقوم على التكافل والتواصل الأجتماعي، وهي أشبه ما تكون بمؤسسات المجتمع المدني في الدول الديمقراطية العريقة. توفر لأبنائها بالعلم والقيم وألأخلاق، وتفخر بإنجازاتهم وأبداعاتهم وبما يقدموه للوطن من خدمات. بعكس ما عايشناه في عهود الدكتاتورية العربية، حيث لا إبداعات ولا إنجازات، والأبناء هم من يفخرون بالقبيلة والطائفة، ويلجؤن إليها، عجزاً وضعفاً وخوفاً، وبحثاً عن الملاذ الأمن، والحصول على المساعدة، حتى في إنجاز أبسط الأجراءات والخدمات، ما يحق منها وما لا يحق. وبإختصار فإن جميع المواطنين، في زمن الحرية والديمقراطية، متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات 'وأَن لَيسَ للأنسَانِ إلاَّ مَا سَعَىََ وَأنَّ سَعيَهُ سَوفَ يُرَى ' 39-40سورة النجم 'وَلاَ تَزِرُ واَزِرةٌ وزْرَ أُخرَى'18سورة فاطر. وعليه يصبح اللجوء إلى الطائفة أو القبيلة لا مبرر له ولا حاجة إليه، إلا للحصول على مكاسب تتنافى مع مباديء الديمقراطية والعدالة والمساواة لأن مكونات الطائفة أو القبيلة هم أفراد يتساوون مع غيرهم من المواطنيين في الحقوق والواجبات، ولأن الأستقواء بالطائفة أو القبيلة في زمن الحرية والديمقراطية، هو إفتآت على مبادىء العدالة والمساواة بين المواطنين. إن إنهياروسقوط الأنظمة الدكتاتورية العربية، يحرر بعض القبائل والطوائف او أجزاء منها، من ضغوط وإلتزامات وتحالفات وحتى إغراءات كانت تفرض عليهم، القيام بمهام وأدوار، سياسية وأمنية وعسكرية، تتعارض مع مصالح الشعب والوطن، وتتناقض مع الطبيعة ألأجتماعية والمدنية لهذه القبائل والطوائف. كما وأن إنتصار الثـــورات العربية يعيد للطائفة والقبيلة، مكانها ودورها الطبيعي، كجزءٍ أصيل متجذر في المجتمع المدني، حيث تشكل مــــع باقي المكونات الأجتماعية الأخرى، كيانا واحدا يحفظ ويصون التــــاريخ والحــــاضر والمستقبل، ويصنع نسيجاً إجتماعياً واحداً، يعزز التواصل والتكافل والتعاون بين جميع المواطنين، بلا إمتيازات ولا إقصاء أو تمييز، ويراقب ويحمي في نفس الوقت، قيــم الحرية ومباديء الديمقراطية وحقوق الانسان.
' محام وسفير الجامعة العربية في المانيا سابقا
|
Views :760Times