• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
  • default color
  • green color
  • red color

صحيفة المجلس

الجمعة
Jul 30th
(+) (<>) (-)
TASI 6,715.35
صحيفة المجلس مقالات اللهم إني أعوذ بك من الجهْل..
اللهم إني أعوذ بك من الجهْل.. | طباعة |
تقييم الزوار: / 18
مقبولممتاز 
كتب editor2   
السبت, 02 يناير/كانون ثان 2010 08:40

ماذا يقول القرآن عن الجهل

المجلس - بوسف العوهلي

وردت كلمة "جهْل" وجميع مشتقاتها في القرآن الكريم 20 مرة في 20 آية مختلفة، إلا أن ذكر هذه الكلمة العظيمة في شأنها أتى بِعدّة معاني مختلفة. إن وفقني الله فسوف أعرض في هذه المقالة القصيرة المعاني المختلفة، والتي قد تُصنّف لأن تكون "أنواع للجهل".

يقول الفيلسوف الياباني "توشيهيكو إيزوتسو" في كتابه الرائع "الله والإنسان في القرآن" أن لكلمة "جهل" ثلاثة معاني ذات دلالات مختلفة:

المعنى الأول: وهو نوع من السلوك النموذجي للإنسان المتهور السريع الاهتياج الذي يميل إلى فقدان السيطرة على نفسه لأدنى إثارة، ويتصرف تبعاً لذلك بشكل متهور، تقوده عاطفة عمياء لا يمكن التحكم بها من دون أن يفكر مطلقاً بالعاقبة الكارثية التي قد يؤدي إليها هذا التصرف. ويضيف: أن هذا النوع يغلب عليه فقدان الإنسان السيطرة على التحكم بعواطفه ومشاعره الخاصة.

ويضرب الفيلسوف مثلً على هذا النوع من الجهل ما ورد في القرآن الكريم على لسان يوسف (عليه السلام) في مصر، بوصف الإغواء الخطير الذي أوشك أن يستسلم له:

}قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني أليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين{ يوسف 33؛ والفعل "صبا" (أصبو) في هذه الآية مصطلح يشيع استخدامه في شعر الغزل لجيشان عواطف الشباب العارمة. ويعني أن تقهرك عاطفة متأججة تجيش في قلبك وتفقدك الإحساس بالصواب والخطأ، وتؤدي بك إلى الطيش.

ويقول الفيلسوف أن نقيض هذا التعريف "للجهل" هو "الحِلم".

المعنى الثاني: وهو قصور العقل عن إمكانية امتلاك فهم عميق للأمور، والذي تبعاً لذلك يؤدي دائماً إلى أحكام ضحلة حول كل شيء.

وليس هناك أفضل مثال على هذا النوع مما ورد في سورة البقرة، حيث جرى ذكر الفقراء الذين يحافظون على عفتهم حتى في حالة الفقر المدقع، أي أنهم يتصرفون باحتشام ولطف لحيائهم الفطري. و "الحياء" كان محل تقدير عالٍ من نبينا الكريم وفقاً للحديث بوصفه واحد من أسس الدين:

}يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم{ البقرة 30

ولكن القرآن يستعمل هذه الكلمة في أغلب الحالات بمعنى الحكم الطائش والرأي السطحيّ، إشارة إلى قضايا ذات طابع ديني. والجهل بهذا المعنى الديني هو قصور المرء عن إدراك الإرادة الإلهية الكامنة وراء حجب الأشياء والحوادث المرئية. 

ويقول الفيلسوف أن "الجهل" هنا ليس مقصوراً على الحكم السطحي على الأشياء التي تحيط بالإنسان فقط، بل يشمل أيضاً عجزه عن رؤية "نفسه" وعن معرفة قدر نفسه. وهذا المعنى مكافئ تقريباً للعمى العقلي؛ والآية التالية توضح هذا الأمر بجلاء:

}فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور{

والآية السابقة تفيد أن نقيض هذا النوع من "الجهل" هو "العقل"

المعنى الثالث: وهو ليس بعيد عن النوع السابق وهو "الافتقار إلى المعرفة". وهنا، لم يعد "الحلم" نقيض لـ "الجهل"، بل نقيض لـ "العلم"، وذلك هو المعنى الأكثر شيوعاً لـ "الجهل" في العربية القديمة. وهو المعنى الأقل أهمية بين المعاني الثلاثة للكلمة في المرحلة المبكرة للإسلام. ومثال على هذا المعنى، أورد الفيلسوف هذه الآية الكريمة:

}كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم{ الأنعام 54

ومن هذه المعاني الثلاث لكلمة "جهل" يمكننا تدبّر آيات القرآن الكريم التي تضم هذه الكلمة، وبمقدورنا تفسير هذه الآيات على هذا المنهاج. ونستخلص إن "الجهل" قد يأتي نقيض لـ"الحِلم"، وقد يأتي نقيض لـ "العقل"، وقد يأتي نقيض لـ "العلم".

هذا مختصر لما كتبه الفيلسوف الياباني في كتابه الشيق. وقد خصص في كتابه ما يزيد عن 10 صفحات لشرح هذه المعاني لكلمة "الجهل".

والحقيقة أننا إذا تمعنّا بتلك العشرين اية كريمة، نرى حقيقة ما كتبه الفيلسوف الياباني عن الجهل، وأود أن أشرح هذا الأمر كما يلي:

1-               نعلم أن الله سبحانه وتعالى نزّل كتابه الكريم كمعجزة وتحدي للعرب عامة، وقريش منهم خاصة. وتكمن هذه المعجزة (في ذلك الوقت، وما زالت بالطبع) في لغة القرآن، وما كان الله ليتحدى العرب ببلاغة القرآن لو لم يكن لدى العرب ثقافة أدبية ولغوية عالية المستوى. والشعر الجاهلي المعروف لدينا الآن، وما تبعه من علم الخطابة لدى العرب أكبر دليل على هذه الثقافة الأدبية الراقية.

2-               من الآيات العشرون التي وردت فيها كلمة "جهل" أو مشتقاتها، 5 آيات مدنية، أي بعد بداية الدعوة للإسلام بما يزيد عن عشرة سنوات، لذا من المرجح أن قريش على دراية تامة بهذه الدعوة ومحتواها، وبهذا يستبعد أن يكون المعنى المقصود ببعض هذه الآيات هو جهل قريش أو المسلمين بالعلم الديني.

من هاتين النقطتين يتضح لنا أن ورود كلمة "جهل" أو حتى "الجاهلية" لا يأتي تحت إطار المعنى العام والمتداول وهو "عدم العلم بالشيء"، بل يتعداه إلى المعنيين الآخرين الذين أشار إليهم الفيلسوف الياباني.

وفي هذا السياق، لدينا الآية التالية الملفتة للنظر:

}وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى  وأقمن الصلاة واتين الزكاة واطعن الله ورسوله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا{ الأحزاب 33

والملفت فيها كلمة "الأولى"، وقد اختلف المفسرين بمعنى هذه الكلمة فمنهم من قال إنها الفترة مابين آدم ونوح أو نوح و أدريس؛ وأن الجاهلية الأخرى هي ما بين عيسى ومحمد، عليم السلام جميعاً، ولكن ليس لدى هؤلاء المفسرين أي أدلة على هذا القول. وحيث أن الله سبحانه لم يقتصر العدد على جاهلية واحدة فقط، فلا يستبعد أن الله تعالى أراد بها الفترة التي سبقت الإسلام، وأن هناك جاهلية ثانية وثالثة حسب الفترات التي يمر بها الإسلام. وإذا نظرنا إلى معاني "الجهل" التي تقدمت في هذا المقال فلا يسعنا إلا أن نقول أن المسلمين في مرحلة من مراحل الجهل الآن. 

فسبحان الله العظيم، كيف أن تدبّر كلمة واحدة فقط في القرآن العظيم (من إنسان غير مسلم) ولّد كل هذه التفاصيل.

} أفلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا{ النساء 82

ومن مبدأ التدبّر سوف أشارك القراء الأعزاء في مقالات قادمة بعض ما أورده هذا الفيلسوف القدير في كتابه. ولعل هذا المقال يكون دعوة لأن نتدبر كتابنا العظيم وأن ترقى قراءتنا له إلى مستوى التفكير، والتمعن، وفهم معانية الظاهرة والباطنة.

التعليقات (5)add comment

محمد: ...
شكرا جزيلا اخ يوسف . مقال فعلا مليان كعادتك .
1

01 02, 2010
أصوات: +1
عبدالآلاه: ...
جزى الله هذا الياباني خير لتنويرنا بتبحره في كتاب الله الذي بكل اسف يجهل اعماقه علمائنا من حفظة الكتب الصفراء ونرديد الكلام المحفوظ دون تفكير. وجزاك الله الف خير يا اخ يوسف على مقالك المفيد وننظر المزيد منك.
2

01 02, 2010
أصوات: +4
ابو محمد: ...
الجهل فعلا افة ومصيبة بكل انواعه. لكن المصيبة تتضاعف عندما يكون هذا الجاهل مغرور بذكائه ويعتقد انه يفهم كل شي وهو من البهيمية اقرب
3

01 03, 2010
أصوات: +1
أجمل إحساس: ...
الللله يجزاك خير ويجز ا الفيلسوف كل خير ارجو ان تستمر في طرح الموضوع لكامل القرآن مع الشكر والتقدير لجهودك
4

01 06, 2010
أصوات: +3
علي: ...
جميييييييييييييييل جدا. لأول مره اقراء مثل هذا الكلام الممتع في تفسير القرأن الكريم. المؤسف انه لغير ناطق بالعربية كلغة ام. ايييييييييييييييييييييييييي
5

01 06, 2010
أصوات: +0


أضف تعليق

تصغير | تكبير


busy
 

Views :236Times

 

استبيان

عندما اخطئ بحق شخص ما ومهما كان قدره او سنه