أقلام وزير التربية والتعليم في ضوء أداء إداراتها التعليميَّة

الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الواصل              

 

في منتدى ومعرِض التعليم الدوليِّ 2011م أخرج وزير التربية والتعليم من جيبه قلماً ذا لونٍ أصفر كإشارةٍ عن تخلِّيه عن قلمه ذي اللون الأحمر، وتمنَّى أن يتسلَّمَ في يومٍ ما من أحد المعلِّمين أو من جميعهم قلمَ الرضا ذا اللون الأخضر، وأشار إلى أنَّ المنتدى والمعرِض أثبتا له أنَّ التَّوجُّهات المستقبليَّة التي تبنَّتها الوزارةُ صارت واقعاً على الورق من خلال إستراتيجيَّات واضحة المعالم لافتاً إلى أنَّ التَّحدِّي الآن هو تطبيق تلك الإستراتيجيَّات، وتمنَّى أن يُسْأَلَ عن تنفيذ رسالة خادم الحرمين الشريفين لتطوير التعليم؟، وأن تكونَ السنة الدراسيَّة المقبلة هي سنةُ المعلِّم، وأن تكونَ هناك مشاركةٌ بين الوزارة والمعلِّمين مشدِّداً على أهميَّة عطائهم الذي قال عنه: إنَّه لن يأتي إلاَّ بالتدريب، وكررها ثلاثاً.

 

أقدِّر لسموّه نقلته التقويميَّة بين القلمين الأحمر والأصفر، نقلة أحسبها جاءت من باب الحفز لا أكثر، وأشاركه أمنيتَه بأن يتسلَّمَ قلمَ الرضا ذا اللون الأخضر، ولكنَّني من واقعٍ ميدانيٍّ أعايشه مشرفاً تربويّاً وأرصده رصداً علميّاً يؤسفني أن أقولَ: إنَّ أماني سموّه ستظلُّ معلَّقةً في ظلِّ هذا الواقع الميدانيِّ المتراجع بخطواتٍ وخطوات نحو الوراء، وأستبعد تحقُّقها قريباً بل وعلى مدى زمنيٍّ بعيد في ظلِّ هذا الواقع الميدانيِّ بمشكلاته وصعوباته ومعوِّقاته.

 

فباستقراء تجاربَ عالميَّة لدول نجحت في تطوير تعليمها في فتراتٍ قياسيَّة تراوحت بين 20 – 25 سنة نقلتْها من صفوف العالم النامي إلى مصاف العالم المتقدِّم تبيَّن للدارسين والباحثين أنَّ هذه النقلة لا تتحقَّق إلاَّ: 1) بإرادة سياسيَّةٍ متطلِّعة، 2) تدعمها إمكاناتٌ ماديَّة كبيرة، 3) وتترجمها إستراتيجيَّات تخطيطيَّة طموحة، 4) تنقلها آليَّاتٌ إداريَّة وكفاءاتٌ في الإدارة التعليميَّة مؤهَّلة وواعية بواقع التعليم ومشكلاته ومعوِّقاته، وبالإرادة السياسيَّة طموحاتٍ وتطلُّعاتٍ، ومفعِّلة للإمكانات الماديَّة، ومدركة للخطَّة أهدافٍ وإستراتيجيَّات ومستوعبة لها، 5) لتصل بها إلى تطبيقاتٍ ميدانيَّة متفاعلة مع ذلك كلِّه، 6) ولتعودَ بتغذية راجعة حتى تصل بها بمهنيَّة فاعلة وبوطنيَّةٍ حقَّة من الصفِّ والمدرسة إلى الإرادة السياسيَّة مروراً بما هو بينهما.

 

أمَّا الإرادة السياسيَّة فقد نهض بها خادمُ الحرمين الشريفين – يحفظه الله – بمشروعه لتطوير التعليم  بمحاوره الأربعة، وأمَّا الإمكانات الماديَّة فقد وفَّرها الوطنُ وقائدُ مسيرته التنمويَّة بملياراتها التسعة المسبوقة بأضعافها وسيوفِّر أضعافَها إذا تحقَّق التغيير والتطوير بنتائج مقنعة وبمخرجات مأمولة باستمراريَّة الدعم بل وبزيادته، وأمَّا الإستراتيجيَّات التخطيطيَّة فقد أنجزتها وزارةُ التربية والتعليم لتنطلق بالمشروع الشامل لتطوير المناهج الدراسيَّة باعتبارها تتناول المحور الأول في مشروع خادم الحرمين الشريفين لتطوير التعليم، مناهج دراسيَّة بدأت تطبيقاتُها الميدانيَّة للعلوم والرياضيَّات في العام الدراسيِّ السابق، ولبقيَّة المناهج الدراسيَّة هذا العام الدراسيِّ 1431هـ / 1432هـ.

 

إلاَّ أنَّ الآليَّات والكفاءات الإداريَّة التي تمثِّلها إدارات التربية والتعليم باعتبارها الإدارات الوسطى بين وزارة التربية والتعليم وبين المدارس انكشفتْ في تأهيلها وفي وعيها بالمشكلة وبإدراكها للإرادة السياسيَّة وباستيعابها لأهداف الخطَّة وإستراتيجيَّاتها؛ وبذلك اصطدمت مرحلةُ التطبيقات الميدانيَّة بمعوِّقات وصعوبات جعلتها تقع في بؤرة راصدٍ ميدانيٍّ يمثِّله مشرف تربويٌّ يمتلك أدواته وآليَّاته بالرصد الميدانيِّ وبالملاحظة المهنيَّة، وبالبحث العلميِّ، تعترض مرحلة التطبيقات الميدانيَّة لمشروع خادم الحرمين الشريفين لتطوير التعليم في محوره الأول المتمثِّل بالمشروع الشامل لتطوير المناهج الدراسيَّة، والتي تشكِّل المعوِّقات والصعوبات والمشكلات التي ستعترض تطبيقات محاوره الثلاثة التالية، والمتمثِّلة بتطوير أداء المعلِّم، وبتهيئة البيئة الصفيَّة وتطويرها، وبتهيئة البيئة المدرسيَّة لتطوير النشاط المدرسيِّ وذلك بالظاهرات الآتية:

 

عزوف الأكفاء من المعلِّمين عن القيادة التربويَّة مديرين للمدارس ومشرفين تربويِّين بتأثير من الإدارات التعليميَّة.

 

غياب المعلِّمين عن مدارسهم، إذْ يتراوح معدَّل الغياب بين 3 – 7 معلِّمين يوميّاً، ولذلك تأثير سلبيِّ على تعليم أبنائنا، وعلى تدريب المعلِّمين الذين يمتنعون عنه لخسارتهم أيام الغياب، والذين لا يفرَّغون من قبل مدارسهم لغياب زملائهم.

 

عزوف المعلِّمين عن التدريب التربويِّ وعن القيام بتطوير ذواتهم مهنيّاً، وتقاعس معظمهم هم عمَّا تتطلَّبه أدوارهم ويطلب منهم من مراجعات مناهجهم الدراسيَّة واقتراحاتهم لتطويرها، وعن التطبيقات للتجارب التعليميَّة الميدانيَّة فضلاً عن المبادرة بمقترحات تجارب، وعن استخدامات التقنيات التعليميَّة في الفصول أو بزيارات مراكز مصادر التعلُّم، لا يخطِّطون لدروسهم ويكتفون بما تسوِّقه المكتبات القرطاسيَّة، ويغفلون الاستفادة من أدلَّة المعلِّم، والإفادة من كراسات النشاط للمناهج الدراسيَّة المطوَّرة، لا يستثمرون زمن الحصَّة ولا يخطِّطون لذلك، تسودهم ثقافة درء العبء والتقليل من الجهد، ويختفي لديهم الشعور بعيب القصور والتقصير، يقاومون التغيير والتطوير، ويتعامل معظم مديري المدارس بقبول لمثل ذلك عجزاً منهم عن التغيير والتطوير ناشدين السلامة في ظلِّ واقع يرون فيه الإدارة التعليميَّة غير قادرة على معالجات لهذا العزوف ولذلك التقاعس ولتلك المقاومة.

 

أقول: لعلَّ دراسات تقوم بها الوزارة عن طريق الأمانة العامَّة لأداء إدارات التربية والتعليم ستكشف للوزارة مصداقيَّة هذا التشخيص الميدانيِّ، وهذا الكشف لن يكون إذا نظرت الوزارة إلى ذلك على أنَّه تقويم لأدائها ينبغي ألاَّ يكشف أو تنكشف فيه، وحتماً ستجد الوزارة إذا نظرت من هذه الزاوية تبريرات تجعلها تتجاوز تلك الملحوظات، دراسات يمكن أن تكون منطلقاً للتحقُّق من هذا الواقع الميدانيِّ الذي شخَّصته بدراسة علميَّة بعنوان مؤشِّرات التفاعل بين المدارس والإدارة التعليميَّة في محافظة عنيزة بعثتها إلى الوزير، واقع ميدانيٌّ سيعيق خطط الوزارة في التغيير والتطوير، وسيعترض تَّوجُّهاتها المستقبليَّة التي تبنَّتها فصارت واقعاً على الورق من خلال إستراتيجيَّات واضحة المعالم، بل ويمثِّل التَّحدِّي الكبير المعيق لتطبيقاتها، والذي سيجعل وزير التربية والتعليم غير قادر على إجابة من يسأل عن تنفيذ رسالة خادم الحرمين الشريفين لتطوير التعليم؟، وستصطدم بها أمانيه بوجود مشاركة بين الوزارة والمعلِّمين، وبتسلُّمه قلمَ الرضا ذا اللون الأخضر.