فرحة يتيم

يوسف عبد العزيز العوهلي

 

تمعّن في هاتفه الجوال حين سمع نغمة الاتصال وابتسم معتذراً منّي… دامت المكالمة ما يقرب من خمسة دقائق وكنت انظر أليه والابتسامة العريضة تضفي المزيد من التجاعيد على وجهه، وكانت عيناه تغرق في دمع الفرح والسعادة.

 قال والسعادة تغمر وجهه: هذا حفيدي ذو الثمانية سنوات يتصل من هاتف ابنتي (أمه).. دعيت له بالصلاح… وكعادتي المتطفلة مع كبار السن سألته عن أولاده، فقال لي وهو يجلس أمامي حول الطاولة: ليس لدي أولاد… وفجأة خيمت على وجهه الهواجس وظهرت عليه علامات تنبئ عن قصة مثيرة.

 

صمت قليلاً وهو يرشف قهوته، وأخرج من محفظته صورة صغيرة، نضر أليها مبتسماً بحنان وقال هذي ابنتي عندما كانت في الخامسة من العمر… نظرت في الصورة لوهلة ولم استطع إخفاء علامات الاستفهام التي علت على وجهي، ونظرت أليه محاولاً ربط الصورة بوجهه. 

 

قال مبتسماً: أعلم.. أعلم.. إن بشرتها ليست كبشرتي… نظر إلى الصورة مرة أخرى وكأنه يستعيد شريط أحداث جميلة في حياته ثم قال: كان عمرها لا يزيد عن ساعات عندما طرق باب بيتي صباح يوم بارد (قبل 40 عام) أحد زملائي في العمل حاملاً معه قطعة قماش قائلاً: خذ هذه.. لقد وجدتها عند باب المسجد عندما خرجت من صلاة الفجر.

 

قال: كنت حينها في الأربعين من العمر، عقيماً… والحقيقة أنني تفاجئت بما كنت أحمله وذهبت مسرعاً وأيقظت زوجتي حاملاً قطعة القماش… وكانت صدمة زوجتي لا توصف عندما رأت الجنين بين يدي.

 

ذهبت إلى مكتبي ذلك اليوم غيرمدرك ماالخطوة التالية !! هل اتصل بالشرطة؟ هل أتصل بدار الأيتام؟….. ثم قال: ما أذكره بأدق التفاصيل هو أنني شعرت بأنني إنسان آخر طوال صباح ذلك اليوم.

 

قال: عدت إلى البيت على غيرعادة قبيل الظهر، متلهفاً لمعرفة ما حدث للجنين مع زوجتي… قالت زوجتي      أنني  إشتريت لها حليب من الصيدلية القريبة…

 

 سكت قليلاً، ثم قال: نظرت إلى الجنين وهي نائمة بكل هدوء وحينها غمرني شعور لا أستطيع وصفه…  إبتسمت .. وقلت له أنني أعرف هذا الشعور.. أنه الأبوّة…

 

قال: بالطبع لم نستطع النوم طوال تلك الليلة.. وعندما هممت بالخروج للعمل صباح اليوم التالي وجدت زوجتي  تبكي.. وتوسلت ألي أن لا أخذ الجنين منها…. تنفس نفس عميقاً…وتمعن في الصورة مرة أخرى وعيناه تغرق بالدمع… ثم قال: الصراحة أنني لم استطع أن أقاوم بكاء زوجتي لذا شاركتها البكاء …

 

         بدت على وجهه علامات الأسى.. عندها قال: بالرغم من أن إجراءات التبنّي الحكومية لم تكن معقدة في تلك

 

         الأيام إلا أننا واجهنا تعقيدات اجتماعية لا توصف.. خاصة من عائلتي وعائلة زوجتي. ولكننا تغلبنا عليها بعدم الإكتراث.. بالطبع الأمر كان محزناً لنا.

 

نظر ألي بتجهّم وعتب عندما سألته قائلاً: من المؤكد أنك كنت تعطف على البنت؟؟… قال: أنا لا أعطف على البنت.. وإنما أحببتها (ومازلت) وكأنها قطعة مني.

 

قال: ربيتها وعلمتها.. ويعلم الله أنني لم أشعر يوماً إنها غريبة عني . وأستطرق قائلاً: تزوجت ابنتي أحد أبناء الجيران الأجاويد وهي تحب زوجها ويحبها… ثم قال لديها الآن ولد وبنت.. ويغمراننا بالفرحة والسعادة حين تزفهم الينا امهم كل صباح وهي في طريقها الى العمل ..

 

قال: أخ يوسف.. أنا وزوجتي نحمد الله صباحاً ومساءً على النعمة التي منحنا إياها متمثلة بهذه البنت…ثم قال: أنا الآن أشرفت على الثمانين عاماً، إلا أن أحفادي يشعرونني بأنني شاباً عندما أراهم كل يوم.

 

سكت فترة طويلة وكأنه يبحث عن كلمات مناسبة يصف بها حال المجتمع… ثم قال: يا ليت قومي يعلمون؟؟؟

 

قلت له باستغراب: يعلمون ماذا؟

 

قال: تبنينا الجنين من حب وهبنا إياه الله لها.. ولم نكن نهتم أو حتى نعلم بأجر كافل اليتيم.. والحمد لله كافئنا الله بالدنيا ونطمع منه أجر الآخرة…