لماذا نكتب؟

هشام محمد سعيد قربان

 

لماذا نكتب؟ هذا سؤال محير تتردد اصدائه بين الفينة والاخرى بين حنايا ضلوعنا, تساؤل يقاطع الصمت ويباغت الظلام ويلاحقنا باحثا عن اجابة مقنعة.

 لماذا نكتب؟ هل تعتبر الكتابة واجبا انسانيا او مهمة اجتماعية؟ هل يصح ادعائنا بأن الكتابة بوح لألام الروح وافصاح عن بعض معاناتها؟ هل نكتب لنشعل بكلماتنا ومشاعرنا شموع الامل في ليل امتنا الطويل؟ هل نحاول حين نحلق بعيدا بصورنا واخيلتها واستعاراتها الافلات من سجن الجسد؟ هل نكتب رغبة في الخلود؟ هل نتخيل كلماتنا سيفا مسلولا في معركة او رمحا يسابق الريح او سهما يودع كبد القوس راحلا الى هدفه؟

 

نكتب احيانا تألما وشكوى مما يثور في اعماق وجداننا, وفي احيان اخرى نكتب نيابة عن من لاقلم له ولاصوت له, نكتب احيانا للتنفيس واراحة لضمائرنا المثقلة والمتعبة, نكتب اعترافا ببشريتنا وضعفنا وزلاتنا واملا في الغفران والتوبة.

 

نكتب لنحادث غيرنا مدعين القدرة على قراءة افكارهم ونحاول عبثا التعاطف معهم والاحساس ببعض همومهم, نكتب لنؤثر ونتأثر, نكتب اعلانا لعصياننا وتمردنا على تلك القيود والسلاسل, نكتب تظلما لنري العالم اثر القيد الضيق على ارواحنا الكبيرة, نكتب لنرتاح من الالم مرة واحدة ولعلنا نكتب مرات كثيرة رغبة في المزيد من الالم الملهم, نكتب عزاءا لذواتنا وتصبيرا لكل من يبحث عن برد العزاء وراحة السلوى عن كل محبوب ومفقود.

 

نكتب لاننا انانيون نحب ذواتنا المتضخمة كثيرا ونعلن هذا الحب على الملأ بلا خوف ولاخجل, نكتب اقرارا بجهلنا ولنبحث عن قبس هداية ونار دافئة تعيد للذكرى حب الام اللامتناهي ودفء حضنها وامنه, مثلنا حين نكتب كطفل يقف على اصابع قدميه ويشد قامته لكي يقنع ابن الجيران بانه اكبر وافهم, و احيانا نحاول ببعض كلماتنا الهروب من ملاحقة الزمن ودولاب العمر فنخلع سرا ثياب الكبار ونمسح من صورنا وقارهم المصطنع وسمتهم المتكلف ونركض خلف فراشة الحقل ونضحك بلا سبب ضحكات لم يكدرصفوها التفكير بالغد وهموم عالم الكبارالكئيب.

 

نكتب لنستعيد بعض احساسنا وشعورنا ونحرر دمعات حارة حبستها بلادة الطبع وغلاظة الروح, نكتب لنغازل الفرح ونراقص الامل, نكتب توجعا للاندلس المفقود وحدادا على سقوط بغداد مرة بعد مرة, ونرفع بكلماتنا علم الجهاد لندفع به ذلا لايليق بنا ونطلب تحريرالبلاد و فتح القلوب.

 

كتاباتنا رؤى سعيدة نهرب على اجنحتها من مرارة الحاضر الي وعد الله الحق, نكتب بحثا عن الامن والسلام, نكتب ولابد ان نكتب فكلماتنا صرخات مخنوقة تؤلمنا وتعذبنا ولاتهدأ ولاتستقر حتى تسمع, نكتب هربا من الوحدة القاتلة الى صحبة القلم المؤنس الذي يسافر بنا الى بلاد بعيدة كل شىء فيها جديد مثير ولم نعهده من قبل, نهرب علي صهوته من صمت الذات الى حفل صاخب واحاديث مطولة مع صديق قديم لم نره منذ زمن بعيد.

 

نكتب لاننا سئمنا الكلام الذي سرعان ما يتبخر فى الهواء, تكتب لاننا عقلاء ملوا من عقولهم واشتهوا بعض شطحات الجنون واختراق اسوار المستحيل, نكتب لاننا نعشق الزهورونخاف عليها من الذبول فنحاول عبثا وصف خدودها الخجلى وعيونها النعسى وانفاسها العاشقة.

 

نكتب لاننا نحب ان نكتب وحينما نشتاق نعانق القلم بلا استئذان ونراقصه بلا خجل, وحينما يصمت القلم وتجدب سمائه نحس بالشقاء وتتلاعب بنا اوهام الضياع, نحاول الكتابة رغم صدود القلم وجفوة الحبروصمم الورق, نتحدى المستحيل لنكتب لان خلف القلم نسر مضطرب في اسره وبركان يتململ من هدؤه ويتوق لانفجار حممه الحمراء والارجوانية لتحرق الغابة الشائخة الهزيلة وتهدي رمادها قربانا لغد افضل وغابة اجمل.