وقد نطقت بحاجتها الحمير!

هشام محمد سعيد قربان

 

اقبلوا المعذرة لهذا العنوان الذي يخدش الذوق السليم والحس الراقي, فهو عجز لبيت شعري يفسر صدره معناه, و يلطف قبح الصورة الكامنة به,  ويبين قوتها في ايصال الفكرة.

 

يقول الشاعر الفلسطيني محمود مفلح :           أنبقى في الحياة بلا لسان *************وقد نطقت بحاجتها الحمير

 

تبين هذه الصورة الشعرية المكتملة بذكر صدر البيت وعجزه نبل مقصد الشاعر الذي يعطيه العذر لاستعمال هذه الصورة الجارحة, ولعل حرارة المشاعر والم الموقف اجبرتا الشاعر علي الجمع  بين هاتين الصورتين المتناقضتين, وبضدها تتبين الافكار.

 

 نحاول في ظلال هذا البيت الشعري البحث عن جواب سؤال يحاصرنا ويصادمنا في هذه الايام المفاجئة باحداثها المتسارعة والمتتابعة, ما الذي اضطر هذه الجموع الحاشدة في ميادين التحرير وساحات التغيير والاستقلال الى نبذ الراحة والتجمع والهتاف والمعاناة والتضحية؟ إنه الغبن والشعور بالظلم وتبخر خوف السنين و سقوط اوهامها.

 

اكتشفت الشعوب بعد ليل طويل بأن لها لسان يتحرك ويشعر ويعبر, لسان يتحدى ويخيف ويهزالجبال, يالها من قطعة لحم صغيرة وعجيبة, واوتار صوتية دقيقة و ضئيلة تتحدى رشاشا ومدرعة ودبابة ومدفعا وطائرة وجيشا باكمله.

 

ما سر قوة هذا اللسان؟ أهي الكلمات؟ ليست هذه الاجابة صحيحة فجموع المعتصمين تتكلم والباطل كذلك, ان مصدر قوة اللسان هو الحق, الحق في الكلمة,  الحق في الفكرة, الحق في الحلم, الحق في الامل, الحق في طلب الحقيقة, الحق في هدم الوهم, الحق في الشكوى, الحق في الموقف, الحق في المطلب والغاية.

 

ان الباطل عبر التاريخ الانساني لم يخف من شىء مثل خوفه من الكلمة وقائلها وسامعها وناقلها ومحبها, ولقد سطر التاريخ بكل عار وخجل محاولات بائسة وفاشلة لخنق الكلمة واخماد صوت الحق, لقد اخافتهم الكلمة وزلزتهم وارعبتهم فحاولوا مرارا اسكاتها بقص لسان صاحبها وقلعه وحرقه وسحقه وذر رماده في البحر ليلا وسرا, ولكنهم فشلوا حين ادركوا ان انات الذين نزعت السنتهم اكثر بلاغة واشد تخويفا من كلماتهم الاولى.

 

تأمر الباطل وتواصى اهله على قتل من تجرأ بالنطق بتلك الكلمات المقدسات التي تعريهم وتفضحهم, قتلوه ولكنهم فشلوا في اسكاته, فهذا جسده المقتول مازال يتكلم وهو مطروح في الطريق باشلائه الممزقة وجرحه النازف, لقد قتلوا الجسد ولكنهم فشلوا في قتل الكلمة, ويملأ الرعب عيني القاتل حين يرى الكلمات ترفرف باجنحتها فوق جثة قائلها, ترفرف فوق جنازته, و فوق قبره, وفوق ذكراه, وفوق خطواته, وفوق نظراته, وفوق انفاسه التي لم تتوقف.

 

أزعجت الكلمة الباطل فابتغى اسكاتها بقلع لسان قائلها وتقطيع اشلائه وطعن قلبه الحر,  قتلوه وتمنوا بعدها انهم لم يقتلوه فهذه كلماته, بعد مقتله, لم تزل حية يعلو دويها فتصدع رؤوسهم وتطاردهم في صحوهم ومنامهم, قتلوا صاحب الكلمة ليسكتوه اوهكذا ظنوا, ويالجهلهم اذ لم يعلموا ان قتل المتكلم بالحق لايسكته بل يحرر كلماته من قدر الفناء ويزفها الى عرس الخلود.