عندما يموت الكاتب

هشام محمد سعيد قربان

 

ماالذي يحدث عند موت الكاتب؟ هل تموت كلماته معه؟ ام تظل حية متحدية فناء الجسد ومآله؟ هل سوف يحزن قلمه لفراقه؟ هل ستدمع محبرته لرحيله؟ هل يشتاق الإلهام لصرير قلمه, واصرارفكره, وصيرورةخياله؟ هل يلحظ القراء غيابه؟ و هل يفتقده احدهماويبكيه؟  وهل سوف يكون مآله اسطراً قصيرة  حروفا صغيرةً في زاوية الوفيات, هنالك في اسفل الصفحة, بعيدا عن الاحداث المثيرة, والاعلانات المهيجة للمشاعربصورها المتمايلة, والوانها الساحرة, في ركن النسيان المظلم حيث يختفي الفعل يكون واصدقاء مضارعته, وحيث يتصدر الماضي الكئيب وعملائه كان ورحل, وترك ومات , وغاب واختفى.

 

ماذا سوف يقولون عندما يموت الكاتب؟ اغلب الظن انهم لن يحسبوه في عداد الشهداء, فكيف يعد موت الكاتب شهادة ولم يغبر وجهه في لقاء عدو؟ ولم تمزق جسده نار متفجرة جعلت خندقه لحده, والبارود حنوطه, والسحاب كفنه, لا اظن الناس يصدقون ادعاء الكاتب بان كلماته في حقيقتها نزف من جرح غائر في اعماق روحه, و ما أخالهم يوافقونه الرأي بأن صوره واخيلته, والمشاعرة النابضة في ثنايا حروفه,ماهي الا حكايات و مشاهد مؤلمة خاضها على صهوة الفكر وهو يهز قلمه البتار, ويدعو الابطال للنزال.

 

هل يعلم الناس ان الموت كان امنية الكاتب وغايته, وراحته وخلاصه, من معاناة لاتنتهي, والم لايمل, وحزن يتجدد, وجرح ينكأ ويفتح كلما التأم وطاب؟ و لم يعنيهم موته او يهتمون  لالمه وانينه ونزفه؟ هل كان يعاني ويتألم لهم وبهم ومن اجلهم؟  أم كان عنائه تجربة انانية محضة لاتتعدي حدود ذاته الصغيرة؟ و لهم العذر ان خالطتهم تلك الظنون و تقاذفتهم امواح الشك, فقد كان في حياته يضحك ملء فيه, ويسخر من كل شىء, ويقهقه كالمجانين, ويتحرك كالممسوس, ويتكلم بلسان ثقيل كانه يحكي قصة بذرة العنب وكيف استحالت الى ورقة خضرة, وزهرة نضرة, و عناقيد  الشهد, وشطحات الخيال, ويهذر بتمتمات وكلمات, ظنها الكثير خرفا, و لم يعها الا القلة.

 

كان ليله عبثا ولعبا, او هكذا ظنوه, ونهاره نوما عميقا, اتراه كان يسهر حتى لا يباغته الظلام بعيونه وجنده؟ ام لعله رأى في الشمس-مالم نراه- حارسا امينا يرعاه ويحميه عندما يغمض عينيه ويغفو؟ هل كان يخادع الليل بسهره وضحكه ولمعة عينيه؟ هل كان في حقيقة امرهذلك المتخفي الذي يرعي النيام ويحرسهم, ويمر على اسرتهم,  ويرفع الغطاء الملقى, ويغطيهم لكي لاينغص البرد راحتهم, و يهمس في اذانهم احلاما سعيدة ورؤى جميلة؟ويقبل جبينهم كأم حنون, و يدعو لهم, ويبشرهم بغد اجمل, وفجر ضحوك ملؤه الامل, فاذا ما افاقوا امنين و مطمئنين, اغمض عينيه فرحا بسلامتهم, وتمتم قائلا:  حان وقت نومي, حان وقت نومي.