قراءة في قوالب فكرية .. 2-2

عبدالله العييدي-

 

تم تناول القولبة الفكرية في المقال السابق، وتم تسليط الضوء على ماهية تفعيل التفكير الجمعي والذي يرتكز على توحيد  الخلفيات الاجتماعية والثقافية في سبيل تحقيق السيطرة الفكرية لتيار دون آخر، ويكون هنا .. ساحة المعركة والمغنم هو المجتمع بكافة اطيافه ومقدّراته، لأن العقل الجمعي يتكوّن من مجموعات لاتستمع بسهولة إلى آراء الخُبراء والاختصاصيين –وإن فعلت لاتُطبّق- كما أنها لاتنساق إلاّ خلف اختياراتها وتفضيلاتها الخاصة فقط. إذن: تأثير هذه الموجة الاجتماعية هو خيط مؤثر ويمكن له أن يُصعّد وتيرة أي تيار من هذه التيارات.

 

تم طرح بعض التساؤلات التي أثرت على نمو أو انحسار تيار دون آخر، ومدى التأثير الذي ربما يلحق بالمجتمع جرّاء هذا الصراع الفكري، ماهي أسس هذه الثقافة التي تحاول أن تقولب المجتمع ..!؟  هل نحن نعيش حالة تصادم بين فكرين نتيجتهما تغريب مجتمعي .!؟ هل نحن نعيش حالة انشطار فكري ..!؟ ماذا لو عرفنا أنه ليس كل تشدّد ديانة، وليس كل معصية خيانة، هل يتحوّل المجتمع إلى حصان طرواده لفكر ما .. وماهي الأسس التي ينطلق منها كل فكر في أجنداته.!؟

 

وكـ..توطئة للشروع في إلقاء الضوء على هذه التساؤلات أنطلق من مقولة لأحد منظّري الليبراليه العالمية وهو “برتراند راسل 1872-1970” والذي يقول في أحد عباراته “الحرب لاتحدّد من هو المُصيب؛ بل تُحدّد فقط من هو الذي سيبقى” وإن كانت هذه المقولة مؤصَّلًة في أذهان “الليبراليين” فقد اتّضح النسق العام لهذا الفكر، ألا وهو البقاء وليس غيره أمام أي فكر آخر في حال حدوث “حرب فكرية” مع أي تيار آخر مُخالف للتيار الليبرالي. إذاً: الخط العام لهذا الفكر والأسُس التي تُبنى عليها كل مابعدها هو الإنتصار للفكرة أولاً وأخيراً، وفي حال حدوث مايؤرق مضجع هذا الفكر وحامليه، بالتأكيد سيكون هناك تصدٍّ شرس، قوامه وعدّته وعتاده، المجتمع بكافة أطيافه دون تحفّظ وهذا مايبرز لدينا في حال نشوب أي تصادم فكري خاصة العربية منها.

 

في المقابل نجد أحد المُفكّرين وهو المحسوب على الفكر التقليدي القريب من “الراديكالية” بحكم انتمائه الشديد ودفاعه عن “البروتستانتيه” وهو الأديب والمُفكّر “هيرمان هسه 1877-1962”  يقول في أحد عباراته الشهيرة “كنت فقط أريد أن أعيش وفق الدوافع الحقيقية التي تنبع من نفسي، فلماذا كان ذلك بهذه الصعوبة الشديدة”، ومن خلال مثل هذه العبارة التي نتلقفها من داخل الفكر “الردايكالي المحافظ” نجد أنه أيضاَ لايقبل أن يتم مصادرة حقوقه الفكرية التي تنبع من الذات أو الضمير كما يتم تصنيفه لدى أصحاب هذا الفكر، فهم في التركيبة الفكرية العامة أصحاب حُجّة عقائدية مؤدلجة، يتم استخدامها في حال التصادم مع أي فكر آخر، ويتكئ أصحاب هذا الفكر على الإرث الثقافي الكلاسيكي الذي تم بناؤه عبر أجيال، تارة بالترغيب وتارة أخرى بالترهيب.

 

لو سطلنا الضوء على تلك المنطقة الفاصلة بين هذين النمطين من الفكر، نجد أن كليهما يحاول أن يستلب المجتمع ليُصبح أحد أدواته لتحقيق مشروعه الفكري، بالرغم من أن هذا الفكر أو ذاك هو أحد ارهاصات التحوّل المجتمعي من مرحلة إلى مرحلة أخرى والتي من شأنها خلق تيارات وأفكار متجدّدة وليست جديدة بطبيعة الحال، لأن مانعيشه هو حالة استنساخ فكري سابق بما يتوافق مع المعطيات التي نعيشها وإخضاع هذا الفكر للواقع بأي شكل من الأشكال، لذلك خرج إلينا فقه الواقع وفقه المتوقّع .. وغيرها من المصدّات الفكرية التي تم تجديدها بشكل يتناسب مع النمط الذي نعيشة.

 

يقول المُفكّر العراقي “علي الوردي 1913-1995″ أنه من الخطأ إقناع الطرف الآخر برأي –ما- بنفس البراهين التي نُقنع بها أنفسنا” وهنا يتم مُصادرة الحرية الفكرية التي يُبنى عليها أي قناعات، لأن القناعات الراسخة عادة ماتتحوّل إلى خصوم للحقيقة المُجرّدة، وهي هنا أشد خطراً من أي محاولة تعليب أو تأطير لأي مجتمع، وبالتالي لسنا مع أو ضد كـ..مُتلقين لكننا نبقى في المنطقة الخضراء –الآمنة على الأقل- فكل أحدٍ منّا مرهون بأصغريه “قلبه ولسانه” ولذلك يربأ بنفسه أن يكون مطيّة فكرية لتيار –ما- أو أن يكون وقوداً لصراعٍ فكري يبحث عن الإنتصار المُطلق وألاّ يكون في الساحة الفكرية غير أدواته وأحدها بالتأكيد هذا المجتمع.

 

شخصياً .. لا أتفق مع بعض الطروحات “الليبرالية أو الراديكالية” فكلاهما مقصٌّ لمناهِضِه يحاول أن يجعل الفكر المضاد مشجباً للتحلل أو التخلف، الحريّة مبتغى بالتأكيد بما لايسلب الآخر حقه في حريته هو أيضاً، فإن كان هذا الفكر  ينادي بأن يكون للفرد والمجتمع حريته التي لايتم استلابها من قبل الفكر الآخر، فعلى الطرف الآخر أيضاً أن يحترم الحرية الفكرية للفكر المناهض له، ممارساته وأدواته التي يستخدمها هي ليست حكراً على تيار دون آخر، وهي أيضاً ليست حِلاّ لأحد وحراماً لغيره،  فليس بالضرورة أن يتّفق الجميع على الفكر بقدر مايتّفق على أن المجتمع أسمى من أن يتحوّل إلى أداة ووسيلة لتأصيل الفكر. يقول الحق تبارك وتعالى ((وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا(13)اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا))13-14/الإسراء.

 

وكثيرةٌ تلك الكُتب التي ستكون وبالاً على أصحابها للأسف، مالم يكن هناك إنصاف من داخل الذات وتقييم لمَ يتم نشره وإنتشاره بين أطياف المجتمع المختلفة والتي بطبيعة الحال تختلف كثيراً عن أدوات أصحاب كل فكر، فما يتم إضماره شئ وماتم نشره شئٌ آخر .. فهل نحن مُدركون..!!؟

 

كاتب سعودي

 

Aloyaidi@gmail.com