استغاثات المآذن

هشام محمد سعيد قربان

 

ياله من حلم مخيف, بل هو كابوس مفزع يجثم على الصدور, ويخنق الانفاس, ويحاصر الابرياء الغافلين,يلاحق الخطى, ويعد الانفاس حيث يعيش غريب بن يعرب الجزري في تلك الامبراطورية العجيبة, امبراطورية تجمع بين الاضداد جمعا جبريا مضحكا ومبكيا ومخزيا, إنها تجمع بين القيم الموجبة ونقيضها السالبةالتي تنتقص وتستنزف- شيئا فشيئا- ما بقي فيها من الخيروالاصالة والبراءة, وهاهي الجمرة الحمراء المتقدة  تقترب من يد قابضها ويزداد احساسه بحرها ويشتد يوما بعد يوم.

 

يتهمه البعض بالمبالغة والتهويل, ولكنه لايبالي بتبلد حسهم, و يعجب لغلاظة قلوبهم, ولعله يعذرهم فهم لم يعيشوا فيها, ولم يبلوا اخبارها, و لم يبصروا حقيقتها المختبئة خلف الفقاعة الاعلامية اللامعة المتمايلة, ولو عرفوا  لذهلوا وظنوا انهم حالمين.

 

ألم يروا الكذب مختبئا في قليل الصدق؟  الم يفطنوا الى الخواء في الكثير من جواهر الاعلام, ام لعلهممزكومون فلم يشموا نتن الشرك يتسلل خلف روضة التوحيد؟ شرك اتباع إله الهوى, شرك اغتصاب بعض اسماء الله الحسنى وصفاته العلى, شرك المقت الكبير في الدندنة حول العقيدة السمحة ممن لايعرف من سماحتها الا اسمها او ما وافق هواهم, مظلومة هذا العقيدة السمحة, فالكثير يملأ فيه تشدقا بذكرها, ويرصع حديثه بها, يحتج بها على خصومه فقط, ويتستر بها بحق وبلا حق, ويتمادي فيبرر وجوده النفعي بها ولها ومن اجلها, ويتهم من لايوافق عوجه وزيفه بمخالفتها والاعتداء على جنابها.

 

امبرطورية الخوف حيث يعيش الاحياء كانهم اموات, ولم يبق ممن يرفع رأسه, ويملأ بصره بزرقة السماء متى شاء, وكيف شاء الا القليل, مآذن جامدة بنيت من حجارة- اوهكذا حسبوها –  تفوق بحسها المرهف وادراكها الكثير من الذين يظنون انهم احياء, مآذن ادركت ظلم الارض, ولم تر في غير السماء وجهة لأنًاتها, ومعراجا لندائها المستغيث: الله اكبر….الله اكبر, الله اكبر….الله اكبر, الله اكبر….الله اكبر, صرخة مظلوم تشكو من ظلمه, دمعة محروم تحرق من حرمه, الله اكبر من الظلم وكل الظالمين, الله اكبر من الخوف وكل من يخيفنا في امبراطورية الخوف, الله اكبر من كل جاهل سفيه يظن انه من الله اكبر, الله اكبر ممن يتاجربالدين, ويستحل دم الابرياء والمعاهدين, الله اكبر من كل من يقتل بريئا بالظنة, الله اكبر ممن يحبس عفيفا بالشبهة, الله اكبرممن يحرم اما من ابنها, الله اكبر ممن يحرم زوجة من زوجها, الله اكبر ممن يحرم طفلا من ابيه, الله اكبر على كل من طغى وتجبر, وكلما علا صوت المنادي قائلا الله اكبر…..الله اكبرفاعلموا يقينا ان هذا فهمنا لها, وهذا دعائنا في نبض قلوبنا, وإسرار سجودنا, ومناجاة اسحارنا.

 

امبراطورية المتناقضات ومعايشة الاضداد وما اشد هذا العيش علي النفس الابية, امبرطورية يحرم دستورها الربا ومنشآته المتخمة تمتص دماء المحتاجين والمعوزين جهارا نهارا, امبراطورية تعلم شعبها المخدوع فن السخرية من الاخر والاستعلاء على الضعيف, وياله من شعب يعيش في وهم اكذوبة في داخلها الف الف اكذوبة, نستمد من الشريعة نهج حياتنا, اي شريعة هذه التي يتحدثون عنها؟واين دليلها من حولنا؟  أشريعة الله ام شريعة الغاب؟ ام لعلها خليط من كليهما, أإله مع الله؟ تعالى الله عما يشركون,و ياللمفارقة المؤلمة المحزنة شرع الغاب يتستر خلف شرع السماء, ربنا لا تجعل من حالنا المتناقض وفصامنا النكد فتنة للقوم الظالمين فيقولوا لو كان دينهم هو الحق – كما يزعمون- لما كان هذا حالهم من الظلم والشقاء والتخلف والمعاناة, فهل يعقل ان يهلك عطشاً من يدعي ان لديه نبع سماوي لاينضب؟

 

انا افضل منك, وانا ادري بمصلحتك منك, زمام امرك كله بيدي, وليس لك اعتراضي او مخالفتي, وتطوقك اغلالي ورجالي اينما ذهبت في هذا السجن الكبير, الارض ارضي, كلها لي, والبحر بحري, كله لي, وعندي من يصدر صكي ويشهده ويختمه, المال مالي, ومالك  ومالي, بل انت ملكي, اسجن متى شئت جسدك, اقرأ نواياك فاياك واياك, واحاكم فكرك, واحطم ارادتك, ولا احب لك من الصفات الا ارذلها من ذل وخضوع, وتملق بنفاق مسجوع, والتغني بمآثري, وشكر محامدي.

 

لا تنس ابدا انني من حررك من قيود الاستعمار الاجنبي, والبستك بدلا منها طوق الذل والعار المرصع من صنع يديي المباركتين, لذا فانت مدين لي ولذريتي ولاحفاد احفادهم ابد الدهر, ألا فمجدني واملأ قلبك بحبي, وليلهج لسانك بذكري وشكري, واهتف باعلى صوتك بكلمات بلهاء: بالروح, بالدم, نفديك يا عقيد القوم وقاهر الاستعمار.

 

الكل يستغيث بالقسط المغيث في امبراطورية الخوف, ولعل عزاء الخائفين في امر جهد في اخفائه من يخيفهم سنينا طويلة ولكنه ذاع وانتشر,  إن عزائهم في معرفتهم بان من يخيفهم ويرهبهم بخيله ورجله هو خائف مثلهم, بل هو اشد خوفا ممن يخيفهم, وهنالك تحت الابتسامة المصطنعة, والثقة الزائدة, والسمت المتكلف خوف لايعدله خوف, ولكن مم يخاف بائع الخوف؟ إن كيان بائع الخوف وامبراطوريته وكل رموزها واذنابها واهن في حقيقته, ويدرك كل منها حتمية زواله واضمحلاله, فهم يقرأون التاريخ, ولعل بعضهم يعيه اكثر من شعوبهم, وهم دوما في خوف من العاقبة والمآل يتذكرون مافعل الله بامبراطوريات الخوف السابقة, مامآلها؟ ولم اختفت؟ اين قارون والنمرود؟ اين إرم ذات العماد, التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ اين فرعون ذي الاوتاد, وثمود الذين جابوا الصخر بالواد؟اسئلة تؤرقهم وتجعلهم في خوف دائم من نور الفجر, لايهنأون بنوم, ولا يفرحون بنعمة, لايشبعون, وهمهم المزيد والمزيد, إن صاح صائح في هدئة الليل خافوا وفزعوا, فهم يحسبون كل صيحة عليهم, احدهم يتمنى نومة مزارع  قانع امن في ظل نخلة, اين هذا من عيشهم الكئيب؟ يحيطهم الجند في كل حالهم, ويخافون عند اكلهم وشربهم, اذا شرقوا عجل اليهم بالطبيب الماهروالمعالج الساهر, هل يخافون الموت؟ وهذا لعمري لا منجى منه ولامهرب, وياللعجب كيف يخاف من يخيف؟ وعند الله تجتمع الخصوم, ورب امن في دنياه خائف في احتضاره وقبره ونشره وعرضه, ورب خائف في دنياه امن عند ربه, معزز ومكرم,على الشرفات يضحك على من اخافه في الدنيا, ولعل هذا مقصد من قال بأن من يضحك اخيرا سوف يضحك كثيرا.