ماذا نريد للوطن، وماذا نريد من الوطن؟، وماذا يريد منَّا الوطن؟

الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الواصل              

 

ماذا نريد للوطن؟، وماذا نريد من الوطن؟، وماذا يريد منَّا الوطن، ثلاثة أسئلة أظنُّ بأنَّنا ما زلنا غير قادرين على الإجابة عنها معاً، بل ولا عن أحدها، ومع ذلك لو طرحت لتصدّى للإجابة عليها وبإسهاب كلُّ من يحمل ورقة تشهد بأنَّه متعلِّم ومؤهَّل، بل وكلُّ من يصنِّف نفسه مثقَّفاً أو مفكِّراً أو يصنِّفه الآخرون بذلك، بل سنجد بأن معظم أولئك سينظرون إلى هذه الأسئلة ومن يطرحها باستخفاف استسهالاً لها، في حين ستأتي إجاباتهم مختلفة اختلافاً يكاد يجعل كلاًّ منها نموذجاً لا يتشابه مع الآخر إلاَّ بتكرار كلمات يريد، الوطن، المواطن، ومن ثمَّ لن تفيد هذه الإجابات التي قد تكون آلافاً بل قد تقع في فئة المليونيَّة عدداً بشيءٍ للوطن ولا للمواطن، وبها سنعود إلى نقطة الصفر من حيث العلم والجهل بما يريد الوطن من المواطن وما يريد المواطن من الوطن وللوطن.

 

ولعلَّ أسباب عودتنا إلى نقطة الصفر بعد آلاف الإجابات أو ملايينها تفسَّر بادِّعاء هذا العدد الكبير من المجيبين بأنَّهم قادرون على الإجابة، وبإسهاب أولئك بإجابات إنشائيَّة وتخيُّلات، انطلاقاً من استسهال تلك الأسئلة ومن الاستخفاف بها وبطارحها، وربَّما سيؤاخذني من سيقرأ هذه المقالة لو قدِّر نشرها على تعميمي هذا، وسيقول عدد كبير من قرَّائها: لن يعدم الوطن عقولاً ومفكِّرين ومثقَّفين قادرين على الإجابة على هذه الأسئلة، وهنا سأقول: إنَّ هذه الفرضيَّة جزء من المشكلة، إذ لو وجد أولئك واستطاعوا بلورة إجاباتهم وأفكارهم لما مرَّت علينا من الزمن عقود ونحن نتراجع والمجتمع والوطن يزدادان تخلُّفاً، ويبرهن على ذلك بالمقارنة بين الواقع والماضي من حيث أعداد مشكلاتنا التعليميَّة والتربويَّة والثقافيَّة والأدبيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والتنظيميَّة والإداريَّة والتنمويَّة والبنية التحتيَّة وغيرها وأحجام تلك المشكلات.

 

ستكرِّر كلُّ الإجابات عن الأسئلة أعلاه أحد مصطلحات ثلاثة، هي: التطوير، الإصلاح، التغيير، وستبتعد تلك الإجابة عن المصطلحين الآخرين جهلاً بمفاهيمها أو لعدم القدرة على تصنيفها وفق الأنسب للمرحلة، فالتطوير يعني أنَّ ما لدينا وما لدى بلادنا ممَّا يتَّصل بجوانب الحياة مناسب ولكنَّه يحتاج إلى تطوير ليكون أنسب ممَّا هو عليه الآن، فيما الإصلاح يعني أنَّ تلك الجوانب فيها من الفساد ما يتطلَّب الإصلاح لتكون أصلح ممَّا هي عليه الآن، أمَّا التغيير وهو المصطلح الثالث فيحكم على أنَّ تلك الجوانب تتطلَّب تغييراً إذْ لا ينفع معها التطوير ولا الإصلاح، ولو نظر إلى تلك المفاهيم في تلك الإجابات لصنِّفت منطلقاتها بأنَّها تمثِّل مصالح خاصَّة لمجيبيها أو لأنَّهم أطراف في تبلورها كجوانب، ولوجدت سرداً بتبريرات يناقض بعضها بعضاً، لا تتجاوز أنَّها تؤكِّد على المصالح أو تتهرَّب من التبعات والمسؤوليَّات.

تبدأ المشكلات صغيرة، ولكنَّنا نتجاهلها حين بداياتها وظهورها؛ لأنَّها لا تمسُّ إلاَّ أعداداً قليلة من المواطنين، أو لأنَّ تأثيراتها السلبيَّة أقل كلفة من مواجهتها، فتكبر المشكلات وتتشابك مع بعضها، وتتوالد منها مشكلات أخرى، فإن كانت وهي صغيرة معوِّقات لتنمية المجتمع أو الوطن، فقد أضحت سدوداً دون التنمية، بل ويكون معظمها معاول هدم لجوانب تنمية سابقة، وحين نبدأ بالبحث عن حلول لتلك المشكلات ينقسم المجتمع إلى فئات وأحزاب وتيَّارات وأفراد كلٍّ يرى أنَّه الأقدر على الحلِّ، أو أنَّه يريد التنصُّل من مسؤوليَّة وجود المشكلة أو تناميها، فتبدأ الحلول تطرح من الجميع لدرجة أنَّ كثرتها واختلافاتها وتشعُّباتها ومواجهتها لبعضها تصبح مشكلات أخرى، فتنسى المشكلات الرئيسة، لتبدأ الصراعات، كلٌّ يدافع عن مقترحاته ويهاجم مقترحات الآخر، فتنشأ حالة أو حالات من المواجهة، ولا تتبلور تلك الحلول إلاَّ وقد ظهرت مواجهات وصراعات فرديَّة أو فئويَّة، ومهما يكن فهي لا تتبلور في نهاية الأمر بذلك إلاَّ وقد مرَّتها سنوات وسنوات لتأتي بلورتها تلك في حلَّين لا يكونان متوازيين ليختار الأفضل منهما أو الأقصر تطبيقاً زمنيّاً، بل يكونان متقاطعين أو متقابلين، وحين يصل المجتمع والوطن إلى هذه المرحلة من الحوارات  والحلول تكون قد اختفت كلُّ أدوات البحث عن الحلِّ وآليَّاته، والتي من خلالها ينبغي الحوار فيها أدوات وآليَّات.

 

وعند هذه المرحلة الحواريَّة حيث يعجز طرف عن إقناع الطرف الآخر بحلوله لمشكلات الوطن يسعى كلُّ طرف إلى فرض حلوله فيلجأ إلى الدين كسلاح حرب ضدَّ الطرف الآخر مصنِّفاً بتكفير أو بتفسيق أو بتهمة تغريبه للمجتمع، ليلجأ الطرف الآخر للدفاع وللهجوم ولكلٍّ أسلحته وأدواته في هذا السجال، وبذلك يبتعد كلا الطرفين عن المشكلات المطروحة لظهور مشكلات بين الطرفين بتأثير من انطلاقاتهما من مواقف أو مصالح خاصَّة لا تمتُّ إلى مصلحة الوطن أو مصلحة المواطن أو إلى المشكلات إلاَّ من زاوية ضيِّقة يبقيها كلُّ طرف في حواره ظنّاً منه أنَّه قادر من خلالها أن يكون هو المواطن الحق وغيره المواطن العميل أو المواطن المفرِّط، وبذلك نعود إلى نقطة الصفر وقد تشابكت مشكلاتنا وتعدَّدت وتفاقمت وازدادت من خلال المواجهات بين الأطراف المتعدِّدة أو الطرفين بعد تبلورها فيهما، وكلَّما تبلورت الأطراف واندمج بعضها ببعض كلَّما ابتعدت عن المشكلات محل بدء النقاشات والحوارات، وابتعدت عن الحلول التي يتطلَّع لها الوطن ويأملها المواطن، وهكذا تتحوَّل هذه الأسئلة الثلاثة إلى مشكلات ثلاث، ويتحوَّل المواطن الكاتب المحاور الباحث عن حلِّ إلى أن يكون مشكلة جديدة أو جزء منها، لذلك لا تحلُّ مشكلاتنا العويصة مهما كان جانبها من الحياة إلاَّ بقرار سياسي، هذا على الرغم من أنَّ مطالباتنا دائماً تنادي بأن نعالج مشكلاتنا بأنفسنا في حوارات في مركز الحوار الوطني، أو في المجالس البلديَّة أو المجالس المحليَّة، أو في مجلس الشورى، ومطالباتنا بأن نصل إلى ممثِّلين لنا لطرح طموحاتنا وعلاج مشكلاتنا من خلال انتخابات وطنيَّة، لكن تلك الانتخابات الوطنيَّة والجمعيَّات العموميَّة تلاقي انصرافاً من أولئك المطالبين بها قبل أن تتاح لهم، فكأن أولئك يريدون أن تبقى مشكلاتنا وطموحاتنا قائمة وأن نبقى دائماً عند نقطة الصفر؛ لأنَّ أولئك لا يجيدون إلاَّ الدوران في حلقة حوار مفرغة.