نهاية أليمة لإنجاز عظيم

يوسف العوهلي

 

يصادف هذا العام الميلادي ذكرى مرور 13 قرناً على أعظم إنجازات المسلمين، ففي عام 711 ميلادية استطاعت جيوش المسلمين بقيادة موسى بن نصير والي الوليد بن عبدالملك على بلاد المغرب وقائد جيشه طارق بن زياد من دخول بلاد الأسبان. وتجدر الإشارة إلى أن تسمية المسلمين للأندلس بهذا الاسم أتي من تعريب أسم قبائل “الواندلوس” التي اجتاحت أوربا في القرن الخامس الميلادي واستقرت في نهاية المطاف في جنوب أسبانيا.

 

كان الوضع الداخلي في أسبانيا قبيل الفتح الإسلامي مضطرباً ويعاني من مشاكل عدة ، منها الصراع على العرش بين الأمراء الأسبان والقساوسة، وخاصة بين أولاد الملك غيطشة (أحد ملوك القوط الأسبان) والملك لذريق. وكذلك الاضطهاد الديني الذي فرض على اليهود، بالإضافة إلى الصراع الطبقي بين فئات الشعب الذي خلق هوة بين الحاكم والمحكوم. وأثناء هذه الفوضى كان المغرب تحت قيادة موحدة، تسوده حماسة الدين الإسلامي قوامها الرغبة في نشر الإسلام وبقيادة موحدة من الوالي موسى بن نصير ومعاونه طارق بن زياد.

 

كانت القيادة الإسلامية في المغرب تراقب عن كثب الأوضاع في منطقة سبتة وطنجة وما يدور عبر المضيق. وفي هذه الأثناء اتصل أنصار الملك غيطشة بالمسلمين للإطاحة بالملك لذريق وذلك بواسطة حاكم سبتة “يوليان” الذي اتصل بطارق بن زياد عارضاً عليه غزو الأندلس. إلا أن طارق أحال “يوليان” إلى موسى بن نصير بصفته الوالي. استأذن موسى بن نصير الوليد بن عبدالملك في دمشق ووافق له على الفتح ولكن على مراحل خوفاً من المفاجآت، وقال لأبن نصير “خضها بالسَّرايا حتى ترى و تختبر شأنها ولا تغرر بالمسلمين في بحرٍ شديد الأهوال”.

 

وتنفيذاً لأوامر عبدالملك بن مروان قام موسى بن نصير بعدة غزوات على جنوب أسبانيا كانت الأولى بقيادة “يوليان” حاكم سبتة للتأكد من مدى صدق ولائه للمسلمين وليصبح عدواً للذريق نتيجة لغزوته هذه.

 

أما الغزوة الثانية فقادها “طريف بن مالك المعافري” سنة 710 م حيث نزل عند الجزيرة التي أصبحت حتى اليوم تعرف بجزيرة طريف، وقد قام بنقل هذه القوات “يوليان” بواسطة سفنه الأربع التي كان يملكها.

 

وبناءً على نتائج هذه الغزوات قرر موسى بن نصير بدء عمليات فتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد. وتم تجهيز جيش قوامه أثنى عشرة ألف مقاتل، وقام طارق بنقلهم على متن أحدى عشرة سفينة منها أربع من سفن يوليان. وكان نزول طارق وجيشه في شهر أبريل من عام 711 م على الجبل الذي سمي بإسمه.

 

وبعد ما يقرب من 15 شهر من دخول طارق إلى الأندلس أكمل المسلمون فتوحاتهم في بلاد الأسبان، وكان آخرها الاستيلاء على مدينة برشلونة. إلا أنه في هذه الأثناء وصل رسول الوليد بن عبدالملك قادماً من دمشق يأمر موسى بن نصير بوقف الفتح وعودته وطارق بن زياد إلى دمشق.

 

عاد موسى وطارق عن طريق المغرب إلى مصر ثم إلى دمشق قبيل وفاة الوليد بن عبدالملك وتولي سليمان بن عبدالملك الحكم الأموي في دمشق. إلا أن استقبال سليمان بن عبدالملك لهذين القائدين العظيمين كان مهيناً حيث صب جام غضبه عليهما وأمر بتغريمهما أموالاً طائلة لم يستطيعا دفعها، وبقي موسى بن نصير في المدينة المنورة حتى توفي بعد 4 سنوات، أما طارق بن زياد فقد عاش بقية حياته منسياً مهملاً في دمشق حتى وفاته. ولم يدم حكم المرحلة الأولى للمسلمين للأندلس طويلاً حيث أنه في عام 755 م (أي بعد 44 عاماً من فتحها) انتهى هذا الحكم نتيجة للنزاعات والخلافات التي دبت بين صفوف المسلمين وسقوط الدولة الأموية.

 

وبالرغم من أن المصدر لا يذكر أسباب غضب سليمان بن عبدالملك على هذين القائدين العظيمين إلا أن المتتبع لتاريخ الحكم الأموي لا يستغرب هذا التصرف وذلك لضعف الحكام (وخاصة المتأخرين منهم) وخوفهم من قوة ولاتهم واستقلالهم عنهم.

 

فيا لها من نهاية مأساوية لقائدين عظيمين.

 

ملاحظة: مصدر المعلومات من “الكتاب المرجع في تاريخ الأمة العربية” المجلد الثاني. من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم