أنا بخير طالما انتم بخير!

هشام محمد سعيد قربان

 

سحابة خيروغيث هنىء عم البلاد وأفرح العباد , هذا مثل الاوامر الملكية المباركة التي بشر بها المليك شعبه قبيل عدة اشهر في جمعة مباركة تشكر ولا تنكر, وتذكر ولا تنسى.

  مبادرات اصلاحية من العيار الثقيل للارتقاء بالاسكان الوطني و تحسين الرعاية الصحية للمواطن وتقوية الدروع الامنية للبلاد وعمارة بيوت الله ومساندة الحسبة والافتاء والدعوة والحث على حفظ كتاب الله الكريم وانشاء هيئة عليا لمكافحة الفساد المالي والاداري ودرء المتلاعبين بالمال العام والاخذ على ايديهم كائنا من كانوا.

  مناقب كرم وعدل وفضل تشكر لاهل الفضل بقلوب تلهج بالثناء لمستحقيه, والدعاء لكل من دل الخير وسعى فيه, وصدق الحبيب الذي علمه ربه فأحسن تأديبه حين علمنا أدب الشكر وذكرنا بأن الذي لايشكر الناس- وهم اسباب الخير- فهو لايشكر الله وهوالمسبب الذي استعملهم في فعل الخير وايصاله للناس, و يالها من كلمات ابوية حنونة تلك التي طمأن بها المليك المفدى شعبه:  إن امة ترفع صوتها بالاصلاح لاخوف عليها ابدا,  كلمات مضيئة وضعت اسسا مختلفة وقوية لمرحلة اصلاحية هامة ومتنامية في تاريخ البلاد, مرحلة يشترك الملك والشعب في صنعها وتنفيذها ومتابعتها وقطف ثمارها ونقدها وحمايتها وتقويمها.

 

إن حب الخير والاصلاح, و الكثير من ائمة امتنا الاسلامية كانوا من فرسانه المبرزين على مر التاريخ, لايتعارض مع دعاء الله بأن يبارك فيه, ولا يتنافى مع الحرص على دوامه, والطمع في مزيده, وما اطمعنا الا حسن الظن بكرم الكريم و فضل صاحب الفضل, وصدق من قال بأن الاصلاح ليس كلمات منمقة, او خطب مجلجلة, او مجموعة من القرارات تنشر على الملأ اليوم لتنسى بالغد القريب, وليس هذا ما اراده الملك الحبيب, إن الاصلاح عملية ديناميكية ومستدامة, محكها التنفيذ الامين, وبرهانها النتائج بالمقاييس العالميةوالعلمية والمحايدة, والشاهد عليها الشعب.

 

 في سياق إزجاء الشكر لأهله والتحدث عن امانينا في امتداد بركة الاصلاح والطمع في المزيد نطرح عدة تأملات مؤدبات وغير مجاملات حول التحليل الامين لأثر هذه الاصلاحات وتحديد المدى الزمني لنفعها, فليس كل اصلاح يدوم اثره ابد الدهر, ونشفع ذلك بامنيات من الشعب كالطفل يتمنى على ابيه ان يشري لها مايحب ويحلم به,وحاشا ان يكون ابوه بخيلا.

 

 كما يعرف اهل النظر فإن  اثر بعض الاصلاح وقتي محدود لانه يقضي حاجات وضروريات مرحلية في فترة زمنية قصيرة, وإن جاز ان نستعير بعض المفردات من لجان حماية المستهلك لايضاح  وتبسيط الفكرة – والقياس مع الفارق – فلعلنا نشبه الاصلاح الوقتي المحدود بسلعة او منتج ذي عمررفي (Shelf Life) قصير وأجل او تاريخ لانتهاء الصلاحية (Expiration Date) قريب جدا من زمن التصنيع والتسويق, وهذه النوع من الاصلاح, مع اقرارنا بمحدودية وقصر عمره واثره,  مهم في منظومة الاصلاح لأن فيه اثبات فوري لحسن نية المصلح وتأكيد لرغبة الاصلاح من ناحية المبدأ, ولكن المنصفين يقرون بأن  قوة منظومة الاصلاح الحقيقية لاتنحصر في الاصلاحات الوقتية المحدودة الاثر- مع تأكيد اهميتها – ولكن الميزان الحقيقي لقوة وفاعلية منظومة الاصلاح يكمن في  تكثيف الاصلاحات الجذريةوالمستدامة التي تعالج الامور والتحديات من اسسها وجذورها  بأمانة وشجاعة, وهذه الاصلاحات الجذرية, خلافا للوقتية والسطحية او الحلول الترقيعية,  يطول زمن مفعولها واثرها, وباستعمال لغة حماية المستهلك مرة اخرى فإن الاصلاح الجذري سلعة مربحة للحاكم والمحكوم, و لها عمر رفي مديد وأجل او تاريخ بعيد لانتهاء الصلاحية, وفائدة ومفعول لايزيده مرور الوقت الا قوة ورسوخا.

 

إن الناظربايجابية وحسن ظن في هذه المبادرات الاصلاحية الخيرة والعالم بخصال اهل الفضل وسيرهم العطرةليكاد يجزم بأن هنالك المزيد من بشائر الخيرويتوقع صدوراوامر كريمة اخرى اكثر تركيزا على  مشاريع الاصلاح الجذري والمؤسسي, واول الغيث قطر ثم ينهمر,  ولنضرب لذلك امثلة مباشرة للمزيد من الايضاح:

 

1)    إن المكرمة الملكية الكريمة بصرف مرتبين تندرج تحت الاصلاح الوقتي المحدود الذي لم يقصد به احد الحل الجذري لمشكلة مثل الفقر اوالبطالة او الفساد المالي, ولعل البعض يدرج مبادرة  تحسين الرعاية الصحية مع ضخامة مخصصاتها تحت الاصلاح الوقتي المحدود لإنها عرضت كمبادرة منفصلة للارتقاء بالمدن الطبية الموجودة ولم تعرض كخطوة متأنية ومدروسة في  اطارحل جذري وشمولي للتحدي الكبير والمتمثل في قصوروعدم كفاية  منشئات وبرامج الرعاية الصحية الحالية,  ومع اقرارنا بجهلنا بالتفاصيل فان السؤال المطروح لأهل الاختصاص الثقات هو:  هل من الافضل توجيه مخصصات الرعاية الصحية العملاقة (16 مليارريال) لبناء مستشفيات جديدة وحديثة في ارجاء البلاد بدلا من توجيه جل ( الجل لايعني الكل) هذه المخصصات للمدن الطبية الحالية لنزيد الطاقة الاستيعابية قرابة 4000 سرير فقط  في كل المملكة؟  لعل المستقبل القريب يبين لنا المزيد من التفاصيل للارتقاء بالفهم ومعرفة التصنيف الفعلي لهذه المبادرة الاصلاحية العملاقة, ولعل نفس التصنيف والتحليل ينطبق علي المبادرة الضخمة لبناء نصف مليون مسكن والتي لم يذكر جدول زمني محدد لتنفيذها, ولعل تصنيف هذه المبادرة يرتقي من المحدود الى الجذري بوجود اجابة جذرية لمن يسأل: ماذا سوف نفعل بعد بناء هذا العدد من المساكن؟ وماهو الحل الامثل لمشكلة الاسكان؟ و هنالك مثال ثالث مطابق لما سبق في المبادرة المحدودة وغير الواضحة لمكافحة البطالة وسعودة الوظائف عن طريق التنسيق بين التجارة والعمل والقطاع الخاص واصدار التقارير الدورية الشفافة لبيان مدى تعاون القطاع الخاص.

 

2) في المقابل نجد صورة مشرقة ومثالا يكاد يكون وحيدالبذرة من بذور الاصلاح الجذري- حسب ظننا-  في هذه المبادرات الخيرة متمثلا في انشاء الهيئة العليا لمكافحة الفساد المالي والاداري التي يرأسها وزيرمتفرغ لاعمالها وتعرض اعمالها علي المليك المفدى مباشرة, ومع تأكيدناعلى ان محك المصداقية لأي مبادرة هو التنفيذ والنتائج الفعلية  المعلنة والمناسبة للتوقعات و لحجم الهدف, فاننا ننظر بعين الامل الى هذه المبادرة الملكية الشجاعة, ونرجو ان تكون مبادرة اصلاحية جذرية وجادة تبحث بامانة وشفافية عن جذور الفساد المالي والاداري, وتعالجها باجتثاتها من جذورها كائنا من كانت, والدليل بالفعل المناسب كما وكيفا وزمنا وشفافية ابلغ من  كلمات عقيمة لاتزيد قائلها – الذي لا يعمل بها – عند الله الا مقتا, اللهم لا تجعلنا منهم, وسوف ينظر الجميع بلهفة الى عمل هذه الهيئة ونتائجها الفعلية والملموسة, ولايشك عاقل ان اكبر التحديات في درب هذه الهيئة ما يتعلق بنهب المال العام للشعب من قبل قلة متنفذة وفاسدة اصبحت اليوم خائفة ومختبئة بعد ان ادركت ان خصمها هو المليك المفدى بنفسه.

 

2)    ومن الامال المعقودة في الله ثم في المليك- الذي ندعو بصلاحه وعونه –  ان يتطور الاصلاح في بلادنا ويزداد جرأة ونضجا فيشمل الاصلاح السياسي, فالسعيد من نقد نفسه بأمانة واتعظ بغيره, ويتوقع الكثير من المراقبين المتفائلين ان تصدر المزيد من الاوامر المباركة بتطوير مجلس الشورى الموقر تطويرا يرتقي بدوره من  مجرد ناصح ومستشار الى مراقب لعملية التنفيذ وناقد صريح ومسائل جرىء ومحاسب للاداء الحكومي لكل الوزارات والجهات كائنا من كانت, ولا احد بمنأى من المسائلة و المحاسبة, وفي هذا السياق فإن  اعضاء المجلس في صورته المطورةوالمرجوة سوف ينتخبون من قبل الشعب مباشرة بدلا من تعيينهم, وهذا سوف يجعله اكثر فاعلية لقربه من الشعب الذي انتخبه ويراقب عمله, ولايخفى ما في هذا التوجه المرجو من ابراز واستغلال للكثير من الطاقات والمهارات وانضاجها بالمشاركة الفاعلة والمسؤولة, وبهذا سوف ينظر الشعب الى سجل الانجازات المشهودة لكل عضو في المجلس والحكومة اجمع كاساس لتقييم ادائه وانتخابه واعادة انتخابه او عدمها, والبقاء والتميز للاصلح للشعب, ويشمل الاصلاح السياسي استقلال القضاء وشمولية سلطته والانضباط القانوني التام – بلا استثناء – لكل اجهزة الدولة الامنية وغيرها, فلا يسجن الا مجرم ثابت الجرم وفق محاكمة شرعية عادلة ومعلنة, ولعلنا بهذا الاصلاح المرجو- وليس على الله بعزيز – نودع بلا رجعة عصر الاشاعات المرجفة و الافتراءات المغرضة عن سجناء بلا محاكمة وانسانية مهدرة وموقوفون بالشبهة واساليب محرمة دوليا للتحقيق واموراقرب للخيال– بل لعلها خيال – عن ملفات سرية ليس للقضاء الشرعي سلطة عليها.

 

 ولا يعقل ولايصدق ان يحصل  مثل هذا في بلاد تتشرف بخدمة الحرمين و حماية جناب التوحيد, حمى الله بلادنا واهلها من هذه الافتراءات التي اثمرت نظائرها – حين صحت – في بعض البلاد المجاورة قلاقلا و فتنا وغليانا شعبيا نشهده بألم صباحا ومساءا في نشرات الاخبار العالمية.

 

4) ويدفعنا حسن الظن بالمليك – وندعو له بالعون كما اوصانا- الى توقع المزيد من اياديه الاصلاحية البيضاء, ويرجو الكثير منه اعادة النظر في القوانين التي تحد من حرية الاعلام, وهذا يتسق مع اتجاه المملكة الاصلاحي ويعينه ويحرسه ويحمي مكاسبه, ولن يتخوف اي مصلح صادق من الاعلام الحر لانه يعرف ان الاعلام شريكه في الاصلاح, ولا اصلاح بلا اعلام اسلامي حرومسؤول يقول للمحسن احسنت وللمقصر قصرت كائنا من كان, وشتان بين اعلام هزيل ومنافق يقيده الخوف ويقعده غياب الثقة, واعلام حر ومسؤول وصادق وشجاع يبني الاوطان ويحارب الفساد بكل صوره, والله لا يحب الفساد.

 

5)واعذرنا يا مليكنا ان اطلنا في الطلب والتمني, فعلي قدر اهل العزم تأتي العزائم و تأتى على قدر الكرام المكارم, فلا اصلاح بحق اذا لم يستنر بكلمة حق جريئة لا تخاف في الله لومة لائم, كلمة سندها قال اللهوقال رسوله, كلمة حق نطلبها في سياق الاصلاح دوما من  كل علمائنا الربانيين لتوجه فقه عباداتنا, وتصحح سياستنا الشرعية حكاما ومحكومين, كلمة حق نطلبها ونسمعها ونثمنها ونعمل بها وان كانت مرة, كلمة حق تقدم الحق وهو معروف بالدليل الابين والاقوى لا بالرجال ولا بعلوالصوت و رهبة السوط, كلمة تحفظ انفسنا وديننا وعقولنا واعراضنا واموالنا, كلمة حق تحفظ امننا فلا نتخطف كما يتخطف الناس من حولنا.

 

 ان امننا – كما اخبرتمونا دائما– في اتباع الشريعة الاسلامية قلبا وقالبا في كل امورنا, فما لنا أمام قول الله ورسوله الا سمعنا واطعنا, وكل مخالف لهما مدحوض الحاجة مشين المسلك, ولاطاعة لمخلوق في معصية الخالق, ولن يغيب امننا الا اذا خالفنا الشريعة, ولن تدرء مفسدة بمفسدة اعظم.

 

بشراك يا مهد الاسلام وارض الصحابة الكرام فأول الغيث قطر ثم ينهمر, يا ملك الانسانية لك الشكر على ماقدمتم, والدعاء لكم بجزيل الاجر والمثوبة, والايام حبلى بالمزيد من نجيب اخباركم, وعاطر فعالكم, والمزيد المزيد من الاصلاح الجذري والمؤسسي الذي له اجل وتاريخ انتهاء صلاحية بعيد بعيد, اصلاح لايزيده مرور الوقت الا قوة ورسوخا والمزيد من حب شعبك لك لانك تحبه وتسعد حين ترى بسمة الرضى على محياه وتقول له دوما انا بخير طالما انتم بخير.