اليوم الوطني:هتافات ولوحات واعلام أم نقد وتصحيح والتزام

هشام محمد سعيد قربان

 

أطلت علينا ذكرى عزيزة, تستمد عزتها من منظورنا اليها, فهي ذكرى وتذكرة, ودروس وعبر, ووقفات مصارحة مع الذات, ولحظات تأمل هادئة بعيدا عن الطبول والابواق, إنها ذكرى اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية, موطننا الذي ندعي جميعا حبه, ومحبته منزلة عالية يتفاوت الناس في رقي درجاتها, ومن حقق شرط محبة الوطن رقى وارتقى عند الله, ومن ابطأ به عمله لم يسرع به نسبه ولم يرق به الجهر بحبه للوطن مهما علا صوته او ارهب سوطه.

 

يالها من ذكرى مشحونة بالمشاعروالالوان والتأملات والالوان, ذكرى تمثلها رموز ملهمة تحيط بنا, فتهيج المشاعر الصادقة, وتشحذ زناد الفكر الناقد الامين, علم اخضر يرفرف عاليا شامخا خفاقا, وأعلام الامم – كما نعرف – رمز لوحدتها وتاريخها وعزها وسر وجودها وكينونتها, ولكل علم قصة رمزية وتفسير وايحاءات, أما علمنا – والحمد لله وحده – فقد تعالى على الرمزية المعقدة في صوره والوانه واشكاله, وأبى الا ان تكون رسالته صريحة واضحة:  لا إله الا الله محمد رسول الله, والعيش الرغيد في الصورة المباشرة للنخلة السامقة المثمرة يحرسه سيفان مشهران: سيف القرآن وسيف السنة.

 

ما اجمل رسالة العلم السعودي,  رسالة عالية سامية لها سند عال متصل رواه الصحابة العدول عن النبي الرسول عن الروح الامين عن رب العالمين وخالق الخلق اجمعين, رسالة العلم تطالب رافعها – قبل الناظر- اليها بالدليل والبرهان كائنا من كان, فهي حجة لنا إن عملنا بمقتضاها, وحجة علينا إن دلسنا وحدنا عن دربها وهداها, رسالة إلهية السند تذكر الجميع  بلا اسثتناء  في اليوم الوطني – وفي كل يوم – أن سعادة المملكة شعبا وحكومة لا تتأتى بحق, ولاتنال بصدق الا بتحقيق المعنى الشمولي وغير المبتسر للا اله الا الله محمدا رسول الله,  والعمل على تحقيق معناها وترجمتها واقعا ملموسا في الخطط والمشاريع, والموازنات والمحاسبات, وفي كل المعاملات والعبادات, والوعود والتنفيذ,  والرخاء والعسر, ولنا وعلينا ومع غيرنا, في الاتفاق والخلاف, والرخاء والعسر, والمنشط والمكره, والمغنم والمغرم, وفي الشتاء والربيع, وكل الفصول والاحوال, رسالة تذكرنا بمقامها وعلوها ان دين الاسلام الحق – متمثلا في شهادته المنجية –  هو اهم واغلى, واكبر واعلى, واسلم واقوم من كل حظوظ نفوسنا الصغيرة وشهواتنا الدنيوية الفانية.

 

أما تزامن اليوم الوطني لمملكتنا الحبيبة مع اول يوم من فصل الميزان ففيه عبرة لا تخفى على الاديب الاريب, فالميزان رسالة لشعب المملكة وحكامها, رسالة تساوى في وضوحها وبلاغتها  شهادة التوحيد في رسالة العلم, فالميزان  – حقيقة ومجازا – يعني العدل والقسط في اداء الحقوق وكل الامور صغيرها وكبيرها, فالبعدل قامت السماوات والارض, والسعادة في الوزن بالقسط, والويل للمطففين في الكيل الذين يخسرون الميزان, والعدل والميزان الصادق اساس الملك الذي به صلاح الراعي والرعية, ميزان يعمله بامانة كل فرد في مجتمعنا, والكل راع, وكل راع مؤتمن, وكل راع مسؤول ومحاسب عن رعيته, وهنيئا للعادل الذي يظله الله بظله, في يوم تدنو الشمس من الخلائق,  يوم عصيب لاظل فيه الا ظله عز و جل, ميزان يعمله المواطن في بيته واولاده, وفي  عمله مع مراجعيه, وفي سوقه, وفي خاصة نفسه, ميزان يلزم به نفسه قبل غيره, ميزان عدل وصدق يعمله الحاكم في حكم رعيته واضعا نصب عينيه الحرمة الابدية للظلم, فالدماء والاموال والاعراض– كما قرر المصطفى عليه السلام – حرام كحرمة يوم عرفة وحرمة شهر ذي الحجة وحرمة المسجد الحرام إلا بحق الله.

 

يستحثنا اليوم الوطني علي الفرح المنضبط والفكر المتزن, ويدعونا الى الى التأمل العميق, فلهذا اليوم مظاهر وشكليات لاتخفى, و لا يشك منصف انها ليست هي مقصودة في ذاتها, اعلام مركوزة, وصور مرفوعة, وشعارات معلقة, وهتافات وتهنئات وتبريكات, وهذه المظاهر – مع الاقرار بجماليتها وقيمتها – لا ترقى في اهميتها واثرها الى مرتبة المعاني المتضمنة, والمخبر الحي الكامن خلف المظهر والشكل, والحق الذي لا يختلف عليه العقلاء ان فائدة مدرسة اليوم الوطني لا تكمن في الهتافات واللوحات والاحتفالات والزينة والقصائد الرنانة, فكل هذا وقتيمحدود الاثر سرعان ما يزول وينسى في خضم رتابة الحياة ووتيرتها المتكررة وتحديات العيش وتكاليف الحياة المرهقة, إن فائدة اليوم الوطني العظيمة امر جلل لابد من تعليمه للمواطن لانضاجه فكرا ومعني وتطبيقا.

 

 في هذا اليوم نسائل انفسنا اسئلة  صريحة وشفافة عن رسالة العلم والميزان, في هذا اليوم نترجم حبنا بشكر المستحق للشكر بحق كائنا من كان, والنقد الشجاع والامين لذاتنا وتجربتنا ومسارنا, فالكمال غايتنا الشرعية نسعى اليها مع معرفتنا بانه مطلب عزيز, ولا يرضى بالدون الا الدون.

 

هل نحن سائرون علي الشرع الاسلامي القويم و خطى النبي الكريم والصحابة العدول؟ هل نحن ملتزمون بخطى التأسيس الموافقة للشريعة؟ هل بعدنا او حدنا عن المسار الصحيح؟ لم بعدنا عن المسار؟ كيف نصحح مسارنا؟ كيف نتعلم من رسالة العلم ان نعلي شأو الدين ونقدمه على كل اهوائنا وحظوظنا ومصالحنا؟ هل نتعظ من حال غيرنا البائس والمحزن الذي آلوا اليه حين ابتعدوا عن الشرع المطهر, ورضوا بالمنهل الكدر, واخسروا الميزان, ورضوا الظلم وتواصوا به, واطربهم نعيق النفاق, فصموا اذانهم عن كلمة الحق, وقلعوا لسان الناصح الامين؟

 

 إن السعيد من اتعظ بغيره, ولله في خلقه سنن كونية شهدناها في الامم الذين خلوا من قبلنا, واثارهم لم تزل قائمة حولنا, سنن واقعة لا محالة, لا تتبدل ولا تتحول, والله غالب على امره, ولن تجد لسنته تحويلا, واليوم الوطني مدرسة, وأي مدرسة,  لا بد ان نذكر فيها الجميع ليتعلموا بجد, ويتذاكروا بصدق معاني غالية على النفوس: مثل الوطن, والمواطنة والحرية, وواجبات افراد الوطن, والحقوق المشروعة, والامانة, والاصلاح, و سبيل عز الاوطان, واعلاء شأنها, و العمل على حمايتها من كل شر وهوىكائنا من كان وفق هدي الله وشرعه.