حلم إنسان ميت

عمر قاسم اسعد

 

عندما كان طفل صغير كثيرا ما سأل والده عن سبب فقرهم وفقر الناس من حولهم ، كان يسأل عن سبب عمل والده المستمر لتأمين لقمة العيش له ولإخوته ، يسأل عن عدم قدرة والده لشراء ملابس جديدة أو عدم توفر الطعام في بيتهم أو عدم حصوله على العاب كغيره من الأطفال .

 

قال له والده ذات يوم ــ وهو في قمة عصبيته ــ (  الله يلعن اللي كان السبب ) ، ومن يومها وهو يبحث عن هذا السبب  الذي لعنه والده كي يلعنه هو .

قفز عن طفولته وكبر قليلا وتفوق في دراسته ــ رغم الجوع والفقر والقهر ــ وتفوقه يؤهله للحصول على مقعد في الجامعه ، لكنه لم يكمل تعليمه وأدرك أن التعليم ليس للفقراء ، كبر والده ولم يعد بمقدوره العمل ، وهده المرض الذي يؤهله لدخول المستشفى الذي لم يدخله ، وأدرك أن العلاج ليس للفقراء ، بحث عن عمل هنا وهناك ، لأن جسمه وقدرته تؤهلانه للعمل ، أدرك أن العمل أيضا ليس للفقراء ، مات والده وعندما أراد دفنه في القبر لأن جثته تؤهله لدخول القبر ، أدرك أن القبر أيضا ليس للفقراء .

كل شيء في الوطن بثمن ، وإذا لم تملك الثمن فلا شيء لك ــ حتى الاشيء ليس لك ــ التعليم بثمن والصحة بثمن وحتى القبر الذي يأويك للأبد بثمن .

لا السماء لك ولا الأرض لك ، وكل ما بينهما ليس لك .

وهو ما زال يستذكر قول والده ( الله يلعن اللي كان السبب ) ، ما السبب ؟؟؟

بات ليلته ــ كما هي كل الليالي ــ جائعا مظلوما مقهورا مسلوب الإرادة ، شاهد روح والده تحلق فوق رأسه وتدخل أعماق روحه وتسحبه نحو اللاشيء ، سار في سراديب المجهول بحثا عن والده والروح دليله ، وجد روحه بين حشود من الأرواح اجتمعت للترحيب بقدومه في عالمها ، عالم الأموات .

سمع همسا في أذنه ، التفت فإذا والده يمسك بيده ويقوده حيث جلسته ، وحشود الأرواح تدخل أجسادا  تتوافد بذات الملابس البيضاء الملطخة بالدماء ، وذات الخطوات الرتيبة .

جلس الأموات كل في مكانه ، صمت مطبق ــ كما هو حال الأحياء الأموات ــ برز جسد ميت من بين الحشود واعتلى مكانا بارزا مخاطبا حشود الاجساد الميته قائلا : يا شعب الأموات الأحرار ، يا أيها المقتولين قهرا وظلما وجوعا ، أيها الأموات قهرا وغصبا ، نحن ما زلنا ننتظر قاتلنا ليمثل بين أيدينا ، سنوات طوال ما زالت تجثم على أرواحنا كما جثمت علينا في حياتنا ، سيأتي قاتلنا سيأتي من حكمنا ظلما دون إرادة منا ، سنوات طوال ننتظر لعله يأتي وحتما سيأتي تحت أقدامنا ، وها هو ميتنا الجديد سيبشرنا بموت الحاكم قريبا ،

نظر إلى والده ليستجمع ما تبقى من روحه ، شاهد ملامح ابتسامة ترتسم في محيطه ، وملامح من عيون دامعة بالفرح من خبر سيقوله الآن ، واستجمع بقايا أصوات لتنطلق صرخة من فمه : يا أبي لقد عرفت الأن ما السبب ( ولعن الله اللي كان السبب ) ، أبشركم بنهاية الحاكم ومثوله بين أرجلكم ، وساعة الانتقام قد حانت ، سيأتي اليكم حقيرا مذموما وضيعا حاسرا عاريا ، ابشركم أن الأحياء قد سمعوا أصواتكم وهاهم ينتقمون لأجلكم وقريبا سيلقوا بالحاكم اليكم .

وما أن انتهى من صرخاته إلا وجموع الأرواح تنتفض على أجسادها والفرحة تملأ المكان والزمان والشيء واللاشيء، .

استيقظ من نومه وما زال صدى أصوات وصرخات تلاحق روحه الهائمة وأيدي الموت تلاحقه بفرح ،

هو الموت إذا ، في كل لحظة من حياتنا يلاحقنا أينما حللنا ،

وما تحت السماء موت وما فوق الأرض موت ، وكل ما بينهما موت .

وأنت أيها الحاكم الغافل مصيرك إلى الموت مهما ظلمت وتجبرت وسرقت ونهبت وانتشيت ، مصيرك إلى الموت ، ولن ترحمك كل الأرواح التي أزهقتها والتي ما زالت تلعنك في قبورها ، وحتما ستمضي إليها بلا حرسك ولا أجهزة مخابراتك وعصاباتك وقمعك ، ستكون وحيدا بين من قتلتهم بالفقر والجوع والحرمان والقهر والظلم .

إعلم أنه لم يأخذ حقه منك حيا ، ولكن سينتقم منك ميتا وسيلحقك إلى قبرك ويلعنك كما لعنك كل ضحاياك ،قبرك محفور عليه اسمك والجحيم الأبدي يلاحقك .