الشوق للخلافة الاسلامية

هشام محمد سعيد قربان

 

واشوقاه للخلافة, واشوقاه للخلافة, الخلافة الاسلامية الراشدة, وكل معانيها النورانية الخيرة, فهي بركة في الارض, ورضى وقبول وتسديد في السماء, ريادة وقيادة, وآنفة من التبعية, علو وعزة, وكرامة في احسن تقويم, قوة في رحمة, حرية تهزم كل جيوش الاستعباد, عدل ومساواة, تقدم ونور و اصلاح, علم وأدب, عمل وبناء, وفن منضبط,جمال في الصنعة, وتعبد الله بالاتقان, الاتقان في كل شىء, اتقان يكادان يخلد حتى الجماد المصنوع, خلود اساسه اخلاص النية, والتوكل على العظيم القدير, مقامات احسان حسان و درجات كمال عالية, وامانة ونفوس طيبة تعرف بحق وتؤمن بصدقبأن ما عند الله خير وابقى.

 

الخلافة الاسلامية اوالاستخلاف يعني الريادة لدين الاسلام في الارض بلا منازع, تعني ان  يصبح الاسلام- دين الله الحق –  باهله ودولته وكل كيانه قائدا لا تابعا, متقدما لا متأخرا, عزيزا لا ذليلا, قويا لا يعرف الضعف, ولايرضى الهزيمة والاستكانة, يدافع عن حقوقه المشروعة ولايتنازل,لقد مللنا وسئمنا وضقنا ذرعا ممن يشرع لنا العيش في ذيل القافلة, و لا يرضى لنا الا مؤخرة الركب,أمن اجل مغنم قليل وعرض زائل؟ والله لايليق ببلادنا الاسلامية و نحن خير امة اخرجت للناس, امة الشهادة المؤتمنة علي وحيه الخاتم وشرعه المهيمن ان توصم بالظلم وقمع الحريات والفساد وانعدام الشفافية, لقد مللنا من عبارة خجلة و ممجوجة رددنا بهاسنينا طويلة على من يعيرنا بحالنا المتناقض: العيب ليس في الاسلام, انما العيب في تطبيقنا له,  والله هذا حق لا مراء فيه, ولكن هذه المقولة ليست عذرا لمعتذر او مختبأ لمقصر,صحيح انها الداء و لكن لا يعقل ان نتداوى بذكرها بدون  بذل وعمل وفداء,الي متى نرددها؟ ام هل آلفناها؟ الا يوجد بيننا من يسعى ويضحي لمحو هذا العيب في التطبيق؟الم يحن الوقت لنقول بصوت واحد بلا خوف ولا وجل ونعلن مشروعنا: المسلمون يريدون قيادة العالم بالاسلام وحده, وسوف نبدأ  باصلاح امرنا واعزاز ديننافي نفوسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا وكل بلداننا.

 

الخلافة تعني البراءة من كل القوانين البشرية, وفضح طواغيتها وهدم اوثانها, وحكم ارض الله, وخلق الله بشرع الله ووحيه,  الخلافة اعلاء كلمة الله ورسوله, واستعادة لعزة الانسان المغتصبة, عزة لا تستمد من نسب او لون او جاه, عزة اساسها ومصدرها الاوحد وحي السماء, الخلافة تأكيد وحفظ لكرامة بني آدم, كرامة من الله, ولله, وعلى شرع الله,  ما اعجبها وما اعزها من كرامة لطين ما ارتقى وما ارتفع, ولم يصبح له ذكر او شأن الا حين أكرم وخص بنفخة مباركة من روح الله,فسواه بيديه, وجعله خليفته في ارضه, خلافة بنيت على الايمان الخالص, والعمل الموافق, والتواصي بالحق والتواصي بالصبر, والتضحية والعطاء,  ألا كيف نرجع عزة المسلم وكرامته في دار الاسلام؟ كيف نعجل بمجىء زمن نفاخر فيه بحق ببلداننا التي تحفظ عزة الانسان وكرامته لانها تطبق الاسلام بحق, الى متى يهان المسلم في بعض ارضه؟ الى متى يهرب بعضنا وخيارناويلجؤون لبلاد لم تتشرف بالوحي الحق لكي يحافظوا على عزتهم وكرامتهم وانسانيتهم؟ لم نهلك عطشا والنبع قريب؟

 

خلافة اسلامية قوامها العدل والمساواة واداء الحقوق لاهلها, فالناس لآدم , وآدم من تراب, ولافرق بين عربي واعجمي, ولا اسود وابيض, ولا حر وعبد, او غني او فقير, خلافة تنقض كل موازين التفاضل الباطلة, وتعلي ميزان التفاضل بالتقوى, إن اكرمكم عند الله اتقاكم, ولايصلح حال هذه النفخة الالهية في خلق الانسان ومآلها الا باتباع الطريق القويم الذي يخطه ويحدده من نفخها, افلا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ خلافة تقر العدل, وترسيه بين الجميع, عدل بميزان الله, عدل لا يهزه هوى, و لاتستميله شبهة, و لا يرهبه طاغوت بقوته وجبروته, عدل مع المسلم والكافر, عدل مع العربي والاعجمي, عدل مع الاحياء والاموات, عدل مع البهائم العجموات, عدل مع الصديق والعدو, عدل في الحرب والسلم, وفي المغنم والمغرم, عدل بين الحاكم والمحكوم, عدل في النظرة والكلمة, عدل في كل شىء, وفي الامور صغيرها و كبيرها, خلافة اسلامية لا ترى معنى لوجودها بدون العدل والوزن بالقسط ورفع المظالم,  خلافة وخليفة و نظام متكامل يضع نصب عينيه دائما وابدا الحرمة الابدية للدماء والاموال والاعراض.

 

خلافة وخليفة وكيان مبارك ومتناسق يعمل وفق ضوابط معروفة وحدود معلومة, خلافة يقول لسان حال من حملها واؤتمن عليها:  إنما انا بشر مثلكم, فاذا اخطأت فصوبوني, واذا حدت عن الجادة فقوموني, وليس لي فضل على ادناكم و لكني اثقلكم حملا, خلافة لا تستمد قوتها وهيبتها من كبرياء وخيلاء, وجند وبطش, وعيون وجواسيس, و سجن وسوط, بل تستمد قوتها وهيبتها من عزة المستخلف- الله عز وجل, فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, ولا يشترى رضى الناس بسخط الله, و ما الخليفة وو زرائه وعماله وجنده الا منفذين لشرع الله, ومتبعين في كل امرهم لامره ونهيه, خلافة تبني ولا تهدم, خلافة وخليفة يقول انا عبد الله ورسوله, وفي هذا عزتي, ولست ارضى ان اكون الا ذاك, انا عبد مثلكم, ولست ربكم الاعلى, ومارأيي بشىء اذا خالف قول الله وقول رسوله.

 

خلافة اسلامية قوية تقول للباطل: قف, وكفى, وارجع, والا, والجواب ماتراه لا ماتسمعه, خليفة مسلم يستمد قوته من القوي العزيز الذي استأمنه واستخلفه, لا يهاب الا الله, ويواجه بشجاعة وبسالة جحافل الشر والباطل, ولا يقعده خوف على حكم او كرسي, او حرص على دنيا فانية, او مداهنة ونفاق من اجل هوي او منفعة, خليفة مسلم يتحدى الباطل أيا كان, وكائنا من كان, انا خليفة الله, اطبق شرعه, وادافع عن دينه, واعلم ان الله غالب على امره, ومتم نوره, ومظهر دينه ولو كره الكافرون, خلافة غايتها احدى الحسنيين: نصر وتمكين, و يالها من منة, او شهادة نرجو اخلاصها, واعظم بها من نعمة, خلافة همها اصلاح الارض – كل الارض – بعبادة الخالق الحق وتمكين شرعه, خلافة تنشر الفضيلة وتحميها, وتحارب الرذيلة وتستأصلها.

 

خلافة اسلامية على منهاج النبوة, تعرف ان نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم لم يورث دينارا ولا درهما, انما ورث العلم بهذا الدين الحق, والعلماء هم ورثة الانبياء, والامناء على الدين من بعدهم, ولا يستقيم امر الخلافة الا اذا عرفت مقام العلماء الربانيين, واتبعت نصحهم وارشادهم وبلاغهم عن الله ورسوله, ولقد اخذ الله عليهم ميثاقا غليظا لتبيين الحق وجلائه للناس, ولن تحيد الخلافة عن مسارها او يتكدر حالها الا اذا اصمت اذانها عن نصح العلماء المخلصين الربانيين, وابعدتهم وكممت افواههم, وقربت اهل النفاق الذين يشترون بايات الله ثمنا قليلا.

 

خلافة اسلامية راشدة تتعبد الله بالعلم والتعلم ونشر العلم وعمارة الارض, علم يقرب المخلوق لخالقه, ويملؤه حبا واجلالا وتعظيما له, علم يطلب لله, ووفق منهج الله, و يعلم و ينشر لله وابتغاء مرضاته, علم يستجيب فيه المسلم المتعلم لامر الله في التأمل والتفكر والتدبر, علميعمل به المسلم العقل ويعرف حدوده, وينصاع للنقل عن العليم القدير, علم يستجلب النفع والخير للارض واهلها وعمارتها في يومها وغدها, علم يستضىء بقواعد نورانية تقول كلوا واشربوا ولا تسرفوا, ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها, وقولوا للناس حسنا.

 

خلافة اسلامية تضمن حرية الاعتقاد للمخالف, فلا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي, وماحال الملايين من اليهود والنصارى الذين عاشوا قرونا طويلة بامن وامان وسلام في ديار الاسلام الا خيرشاهد على سماحة الاسلام وضمانه لحرية الاعتقاد وفق ضوابط معلومة وواجبات تؤدى وحقوق تعطى, خلافة اسلامية هي رحمة للعالمين, لا تجعل همها اقامة الحجة على المخالف اقامة شكلية باردة لا حس لها ولا شعور, بل ترحم المخالف وتخاطبه باللين والموعظة الحسنة, تدعوه برحمة الى درب الجنة وتخاف عليه من مغبة الضلال وعاقبة الإعراض عن الحق, خلافة تحترم المخالف ولا تنزلق حين ينزلق, فشتان بين الحق والضلال.

 

اشتاق للخلافة الاسلامية بعزها وقوتها وهيبتها وعدلها وعطائها, اشتاق لمقدم تلك الايام المملؤة بالخير والسعادة, ايام جميلة وصف حسنها بعض المؤرخينوشبهوها بليالي الاعراس الحسان, ايام فرح وسرور ورضى وحبور, اشتاق لها ويعظم شوقي ويشتد حنيني حينما ارى بعين الامل بعض إرهاصات الخلافة وعلاماتها في الربيع العربي, واشتم ريحها العطرة في ميادين التحرير, وساحات الاستقلال والتغيير, جموع حاشدة نزعت قيود الخوف, وحطمت اوهام السنين, نبذت لذة الراحة, وواجهت بطش الباطل بصدور عارية, وقالت للباطل وكل رموزه بصوت رجل واحد: ارحل …ارحل…ارحل….ارحل, جموع من الشباب المتحمس حققت بالممانعة السلمية والاعتصام في الساحات امورا ظنها الكثير احلاما من ضرب المستحيل, واستمع الى بعض العلماء الربانيينالمجربين يخاطب اولئك الشباب قائلا:  والله لقد اخجلتمونا بمواقفكم المشرفة و هممكم الكبيرة وحققتم – بفضل الله – مالم نقدر عليه, و عالم  رباني اخر يقول متواضعا: أيها الشباب, انى لمثلي ان يخاطب مثلكم, فانا الطاعم الناعم الامن الكاسي, وانتم في ميادين الحق والشهادة, وجوهكم مغبرة, تضحون بارواحكم من اجل دينكم وامتكم, الا ليتني كنت معكم فاقبل موطأ اقدامكم المباركة,لقد اثبت  ربيع الشباب المسلم بأن لسان الحق  حين ينطق كلمة الحق يتحدي الجيوش ويخيف الباطل ويهز العروش,  و هاهي رياح التغيير ونسائم الربيع العربي تقلب الكثير من الموازين, بل تصححها وتحررها من الوهن والوهم, وتوقظ في الامة الاسلامية امالها الكامنة, وتحرر اشواقها النائمة, فخرجت الشعوب عن بكرة ابيها بشبابها وشيبها ونسائها واطفالها منادية كالسيل الهادر: الشعب يريد الخلافة الاسلامية, فإن كانت هذه جريمة فانعم بها من جريمة, وان كان الشوق للخلافة تهمة, فما اجملها من تهمة نلقى الله بها عندما توضع الموازين وتتطاير الصحف.