جامعاتنا… قطع الشك باليقين

يوسف العوهلي

 

انشغلت صحافتنا وأكاديميي جامعاتنا خلال الأسابيع الماضية بما أوردته مجلة ساينس الأمريكية واتهمت به جامعاتنا بشراء تصنيف الجامعات إلى مراكز متقدمة. وقد قرأت مقالات عديدة في صحفنا يتراشق بها الاطراف التهم والنفي والتكذيب. ولعل هذا المقال يضيف بعض الشيء من اليضاح إلى ما كُتب.

 

منذعقود وجامعاتنا – خاصة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وجامعة الملك سعود – تزعم أن مرتبات هيئات التدريس بها منافسة عالميا وقريبة من مستوى دخل أساتذة الجامعات في أمريكا. وكنت في البداية -قبل ما يزيد عن 20 عام – غير واثق من تلك المعلومة ، لمعرفتي بتدني ماتقدمه جامعاتنا مادياً لهيئاتها -حسب علمي فإن الدكتور هنا يتقاضى حينها مرتبا  لايزيد  عن 15 ألف ريال”4000 دولار تقريبا”؛ ولايمكن أن يتقاضى إستاذ جامعي في أمريكاهذا المبلغ المتدني، لعلمي أثناء دراستي هناك أن الأساتذة يتقاضون مرتبات مجزية “3-4 اضعاف هذا المبلغ”، ومن هذاالمنطلق كنت اشكك في زعم جامعاتنا. إلا أنه وبعد فترة تهيء نقاشا مع أحد أساتذة جامعة الملك فهد للبترول الأجانب، ادركت عندها أن ما تزعمه جامعاتنا صحيح فيما يتعلق بالمرتبات الشهرية. إذا ً كيف يتقاضى إساتذة الجامعات الأمريكية 3-4 اضعاف هذا الرقم؟ والجواب هنا بسيط جداً: إنها البحوث!!! فكل ٍ حسب جهده، ففي الجامعات الأمريكية يتسابق الأساتذة على المشاركة في البحوث العلمية ليس حباً للبحث كونها متعبة ومضنية جداً وإنما لأنها مصدر دخل أساسي لهم يدر اضعاف المرتب الى جانب ماتحققه لهم من مكاسب إعتبارية وشهرة. كذلك تتسابق الشركات الصناعية الكبرى على بعض الجامعات بعقود كبيرةجدا ً لعمل البحوث لديهم، ومن هنا يأتي دخل الجامعة ودخل الأساتذة الرئيس. ولي تجربة في هذا المجال، فأذكرأيام دراستي الجامعية في أمريكا قبل 30 عاما أن شركة أمريكية كبيرة قدمت لنا عرض في السنة الأخيرة عن طريق استاذ أحدالمواد لعمل بحث وصنع جهازمحمول يدوياً لقياس سرعة الرياح واتجاهها ودرجات الحرارة بحيث يقوم هذا الجهازبتسجيل جميع هذه المعلومات على شريحة كمبيوتر؛ ولم يكن هناك شرائح كمبيوترمتوفرة بسهولة وصغيرة مثلما نجده حالياً، لذا كانت التصاميم لأجهزة كبيرة يصعب حملها يدوياً. الشركة الممولة دفعت مبالغ كبيرة للجامعة وكان للإستاذ نسبة من هذا المبلغ حتى ولولم ينتج عنه منتج يمكن تصنيعه… أهم شي البحث.

 

مجلة ساينس تتهم جامعاتنا بشراء التصنيف عبر توظيفها للباحثين ودفع مبالغ مالية كبيرة لهم.. ولا أعلم أين المشكلة هنا؟! هذابالضبط ماتفعله جميع جامعات العالم وخاصة الأمريكية!! وهذامايجب أن تحفز عليه جامعاتنا للقيام به.

 

من خلال عملي بشركة الكهرباء هنا، تقوم الشركة برصد مبلغ سنوي قيمته 10 -15 مليون ريال لتشجيع جامعاتناعلى البحوث. وفعلاُ قمنا في إدارتنا الهندسية في الشركة بعمل عقدين خلال 4 سنوات مع جامعة الملك فهد للبترول والمعادن لعمل بحثين لمشاكل مستعصية جداً في محطات توليد الطاقة البخارية. والحقيقة أنه كان لنا الشرف في نتيجة هذين البحثين المتميّزة؛ حيث انفقت شركة الكهرباءعلى أحد هذه العقود 3 ملايين ريال تقريباً بينما انفقت الجامعة على نفس البحث اضعاف هذا المبلغ، وكانت النتيجة بعد 3 سنوات  من البحث ناجحة بل مذهلة بجميع المعايير. شركة متسوبشي المصنعة لأحدى هذه المحطات لم تصدق النتيجة عندما ابلغناهم بها. ومما أضاف نجاح لهذا المشروع  أن طالب سعودي حصل على شهادة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية من خلال مشاركته الفعّالة في هذ  االبحث؛ وهذا ماكانت تريده الشركة بمثل هذه البحوث. أعلم أن لدى شركة أرامكو نفس المنهاج، وهذاهوالمطلوب من جامعاتنا ومن الشركات الصناعية لدعم البحوث.

 

الآ ان مانخشاه هو أن تقوم هذه الجامعات بالبحوث من أجل التصنيف، وهذه مشكلة، لأن الأمرفي هذه الحالة يختلف. هناك فرق كبيرجداً من أن تقوم ببحث لحاجة التطوير والنهوض باقتصاد الوطن، أو ان تقوم به من أجل التصنيف. والفرق  يأتي بنتيجة البحث حيث أن الجودة في هذه الحالة ليست مهمة بقدرالكم وبالتالي لانحقق أي شيء غير التصنيف.

 

إذاً، برأيي، مجلة ساينس لم توفق في طرحها واتهمت الجامعات السعودية بتهمة لم تثبتها علمياً ولا مالياً، واستخدمت مقتطفات من مقابلات مع أساتذة شاركوا في هذه البحوث لبث التهمة. ومن ناحية أخرى على جامعاتنا دفع هذه التهمة، ليس من خلال التكذيب والمقالات الجوفاء،بل بالحقائق.

 

ماتقوم به جامعاتنا مماثل تماماً لماتقوم به الجامعات الأمريكية المرموقة والتي تأتي في أعلى مراتب التصنيف. ولقطع الشك باليقين على جامعاتنا أن تنشرمختصرات للبحوث التي قامت بها، وماذا استفاد الباحث والجامعة والمجتمع والوطن منها. هذه هي الطريقة الوحيدة – برأيي – لجامعاتنا لإثبات أن ماقامت به هوالصحيح.