بين التعليم والترفيه

هشام محمد سعيد قربان

 

التعليمُ والترفيه– في منظور الكثيرين- هما لفظان مختلفان في المعنى ومتضادان في الدلالة والغاية، فالتعليم لفظٌ يوحي بالجدية والمنهجية والانتظام والانضباط، والترفيه لفظٌ تعودنا أن يوحي إلينا بالعفويةِ والمرح الذي تقل فيه الفائدةُ، والضحكات العالية التي تفيضُ بالسعادة والبهجة، وفي هذا السياق نلاحظ أنَّ البعضَ يسرع إليه الملل بعد قليل من الوقت في التعلم الجاد، ولا يمل من الساعاتِ والأيام الطوال يصرفُها في الترفيهِ والترويح عن النفس باللعب والرَّحلات.

 

ولو سألنا هؤلاء عن أمرِهم لاشتكى بعضُهم من صرامةِ أساليب التعليم وجفاف المادة الدراسية، وقلة صبرهم عليها، ولأخبرونا بأنهم يتمنون أن يكون التعليمُ مقترنًا وممزوجًا بالترفيه والتسلية، هذه الأمنيةُ قد تغضبُ البعض من أنصارِ الجدية والتعليم المنهجي بأنماطِه المألوفة، ولكنَّ غضبَ هؤلاء وتخوفهم لا يعني بحالٍ من الأحولِ أنَّ هذه الأمنيةَ مستحيلة، أو أنها من أماني الكسالى، الذين ضعفت عزائمُهم، وقصرت هممُهم في طلب العلم ومعالي الأمور.

 

في هذا المقالِ سوف نبحث أسلوبًا حديثًا من أساليب التعليم؛ وهو التعليم من خلالِ الترفيه واللعب، وهذا الأسلوبُ سوف يجعلنا ندرك أنَّ أولئك النفرالذي تمنوا اقترانَ التعليم بالترفيه كان لهم بعضُ الحق في أمنيتهم.

 

يختلف هذا الأسلوبُ عن المألوفِ من طرُق التعليم؛ بأنه يقدِّمُ ويعرض المادة الدِّراسيَّة والفائدة العلمية في ثوبٍ جديد وممتع تقبل عليه النفوسُ وتحبه، وهو الترفيه واللعب والمرح، ومن الامثلة القديمة لهذا الاسلوب في تراثنا الاسلامي الاصيل استعمال الاراجيزالمسجوعة اللطيفة في تلخيص بعض العلوم مثل النحو والفرائض والقراءات والحساب، وقديما قال بعضهم: من حفظ المتون حاز الفنون.

 

إن نظرة هذا الاسلوب الحديث  تتجاوز إرث الحدود الوهمية الضيقة والحواجز النفسية العالية للعملية التعليمية التقليدية في العالم اجمع، ويتحررمن نمط التعليم الصفي والانضباط العسكري والصمت المهيب في حجر كئيبة وضيقةالى نمط اكثر اثراءا واعظم فائدة، نمط تعليمي جرىء يتحدى الفرضيات التعليمية البالية حين يحلق – في انشطته المتنوعة والمتجددة- عاليا وبعيدا خارج اسوارالمبنى الدراسي وغرفة الحارس، نمط تعليمي يعتبر الحياة بكل مناحيها صفا دراسيا كبيرا وكتابا دراسيا قيماً ملؤه الملاحظة والتجريب والاثارة والاستنتاج والتعلم.

 

هذا الأسلوبُ لا يعني عدم الجدية وغياب المنهجية والانشغال عن الهدف، ولكنٌه يهدفُ إلى إزالةِ الخوف لدى بعضِ الطلاب من الموادِّ الدراسية بثوبها المعتاد وطرقها القديمة المعقدة ورموزها المبهمة، عن طريقِ استعمال أساليب منهجية منتقاةخطِّط لها بعنايةٍ، و فيها تبسيط للمادة العلمية يخالطه لعبٌ موجه ومرح هادف واثارة وتشويق.

 

لايؤيد بعض المتحمسين لاسلوب التعليم باللعب والمرح الموجه قول الفريق المعارض بوجود مواد علمية ومواضيع  دراسية لا يمكن عرضها بالتعليم باللعب لكونها – حسب ادعائهم- تتميز وتتصف حسب طبيعتها بالصعوبة والجفاف والتعقيد، ويجزم بعضهم بأن الصعوبة في مثل هذه المناهج ترجع الى: 1) أسر بعض المعلمين واستسلامهم وتقديسهم للطرق المآلوفة 2) محدودية القدرات التخيلية لبعض المعلمين 3) او ضعف في مجالات تأهيل وتدريب وتطوير المعلمين 4) او لعل الاسباب الثلاث– الانفة الذكر – تنطبق على بعض المختصين والقائمين علىإعداد المناهج الدراسية وتطويرها.

 

وهنالك أمثلةٌ عدة على أسلوبِ التعليم باللعب والترفيه الموجه والهادف؛ ومن الامثلة المشهورة لهذا الاسلوب الألعابُ التعليمية التي تغصُّ بها متاجرُ الألعاب، تُعلَّم هذا اللعبُ المختلفة والمخصصة لأعمارٍ محددة الأطفالَ والناشئة مهاراتٍ عدة في فنونٍ شتى؛ مثل الكيمياء والفيزياء والفلك وغيرها.

 

هنالك مثال اخر على هذا الاسلوب وهو مايسمى بالانشطة  المدرسية اللا صفية، وهذا مجال واسع ومصدرغني للتعليم بالترفيه، و لكنه لم يقدر حق قدره، ويأسف المتأمل فيحال الانشطة اللاصفية للكثير من المنشآت التعليمية حين يراها  قليلة او ضحلة وسطحية ومكررة ومملولة تفتقر الى  التجديد والابداع، و لسان حال هؤلاء ينبؤ عن قلة معرفتهم أو ضعف ثقتهم بهذا الاسلوب الذي قد يعتبره بعضهم مصادما للعملية التعليمية ومشغلا عن غاياتها الاصيلة.

 

لماذا لا يتعلم الطلاب مبادىء علم الاحياء والنبات في زيارات مطولة للحقول والمزارع؟  لم لا يعلم الاطفال مقدمات الصحة الشخصية في زيارات مطولة للمشافي ولقاءات مع الاطباء والمرضى؟ ألا نعرف جميعا بأن السوق و ما يحدث فيه من الشراء والبيع خير معلم للحساب والوزن والتفاوض؟ ولماذا لا يزور  الاطفال المخابز والمطابخ  ليتعلموا بعض الخواص الكيميائية للمواد، هنالك سوف يرون كيف تتكسر وتضعف الروابط الذرية المعقدة في اللحم النيء القاسي عند تعرضها للحرارة حتى ينضج اللحم ويلين ويسهل مضغه واكله؟ ولم لا يزور الطلاب الصحراء والبحر والجبل  ليتعرفوا على البيئات المختلفة ونباتها وحيواناتها وميزاتها؟

 

ومثال آخر لهذا الأسلوب يحتاجُه الآباء في الإجازاتِ المدرسية، هو المتاحف والمعارض العلمية التي تحوي ألعابًا عدة، تعلم الأطفالَ والكبار بأسلوبٍ مرح ولطيف كثيرًا من القواعدِ والنظريات العلمية في فنون وعلوم مختلفة، وإذا لاحظنا الأطفالَ حال زيارتهم للمتاحفِ والمعارض العلمية نجدُهم وقد تملكهم اهتمامٌ وحرص شديدان، يشوبهما مرحٌ وبهجة وحبور، إنهم يتعلمون بسعادةٍ لا يعكر صفوَها بعض المواد الدراسية ضعيفة الإعداد ومعقدة التركيب التي تتعبُ في شرحِها المعلمين، ويتعب في فهمها الطُّلاب، وتنفرهم بسوء عرضها، وافتقارها للاساليب الحديثة والفاعلة في مجال صوغ وتصميم وعرض المناهج الدراسية.

 

إنَّ التعليم من أعقدِ المهن وأصعبها، وتكمن صعوبةُ التعليم في التحدي الكبير الذي يواجهه كلُّ معلم فياعداد وتجهيز العرض الممنهج المناسب والجاذبالذي ييسر فهم المواد الدراسية، ويقنع الطلاب بفائدتها وأهميتها، إنَّ التعليم والترفيه– في حقيقة الامر- ليس بينهما تضاد في كلِّ الأحيان، بل قد يخدمُ الترفيهُ واللَّعبُ التعليمَ.

 

إنَّ التعليم الجاد لا يعني بحال من الاحوال غرس الخوف والخجل في نفوسِ الناشئة، إنَّ التعليم في أصلِه عبادة مأجورة و متعة ولذة فيهما حب الاكتشاف مخلوط بالفرحِ الناتج عن الفهم، ما أجملها من أمنيةٍ إذا تحققت! أن توفِّرَ المنشآتُ التعليمية والإعلامية هذا الجوَّ من مهارات وانشطة الترفيه المعلم الذي يحبِّبُ العلوم للناشئة ويرغبهم في الاستزادة منها، خصوصًا في الإجازات المدرسية التي تتحدَّى الآباء والأمهات بطولِها، إنَّ هذا الأسلوب قادرٌ على بناءِ جيلٍ يتعلم بمرح وبهجة، ويجعل همه الوحيد العلم للفهم لا العلم لاجتياز الامتحانات.