لماذا برع الغرب في حين انكفأ المشرق العربيُّ؟!!

الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الواصل        

 

في صفحة رأي من صحيفة الشرق كتب الشيخ الدكتور الداعية عائض القرني مقالته الأسبوعيَّة في عددها 15 برعنا في ثلاث وبرع الغرب في ثلاث، فليأذن الشيخُ لي أن أكتب متفاعلاً مع مقالته ما أحسبها آراءً وأفكاراً تجلِّي طرحه ذاك، فالشيخ حدَّد براعة الغرب ليشير بإشارات ضمنيَّة لإخفاق المشرق العربي، واستخدم مصطلح المشرق العربي لا مصطلح الشرق المقابل للغرب؛ إذْ رأى الأخير صار حصريّاً لهذه الجريدة الوافدة الواعدة، لعلَّه أذن لأطرح تساؤلاتي واستنتاجاتي الآتية:

 

كيف تكون الشرق جريدة وافدة؟!!، وهي الجريدة السعوديَّة موطناً نشأة وتحريراً ورئاسة تحرير وطباعةً ونشراً، فليكشف لكتَّابها وقرَّائها ما لا يعلمونه، أم تُرى السجع ورَّط الشيخ فليصحِّحه وليعتذر.

 

حدَّد الشيخ ساخراً ما برع به المشرقُ العربيُّ، فجاءت الصدفة بمقالة الدكتور عبدالعزيز السبيل: الموروث الشعبيُّ والغياب الوطني في العدد 15 من جريد الشرق مزامنة لمقالة الشيخ كردٍّ على سخريته من الفنِّ وبالقبائل العربيَّة المحافظة على موروثاتها الشعبيَّة فلعلَّه قرأها فوعى الهدف الوطنيَّ من المحافظة عليها، وكتب الدكتور عبدالعزيز أيضاً من باب حق الجوار في الحوار مع الشيخ مقالته بين الآثار والتاريخ في العدد 22 من صحيفة الشرق متناولاً سخريةَ الشيخ بعلم الآثار وجهلَه بقيمتها العلميَّة؛ ومقالته في العدد 29 من جريدة الشرق بعنوان آثار الوطن ووعي المواطن إيضاحاً للتأثير السلبي لمقالة الشيخ، فكفاني الردَّ في هذين الجانبين فللدكتور تقديري وشكري، أمَّا الرياضة فأتركها ليتصدَّى الرياضيُّون لسخرية الشيخ منها ومنهم.

 

وسخر الشيخ الشاعر بالأدب العربيِّ مقلِّلاً من الأهميَّة الأدبيَّة للمعلَّقات وواعداً بدراستها دراسة نقديَّة، وسخر من مطلع مقصورة ابن دريد قائلاً: بيت سخيف بارد سامج (صحتها سمج وهي من صيغ اسم الفاعل)، فليعلم أنَّ المقصورة شرحت 45 شرحاً فليعد لتحقيق أحمد عبدالغفور عطَّار لكتاب الفوائد المحصورة في شرح المقصورة لابن هشام اللخمي، (1400هـ، ص ص42-49).

 

واستهزأ الشيخ بمقرَّرات التاريخ والجغرافيا معبِّراً بالإسهاب الجغرافي والسيلان التاريخي؛ ولهذا سأكتب يوما ما مقالة للردِّ عليه.

 

ودعا لدورة تدريبيَّة لقراءة النصِّ شعراً ونثراً مدفوعاً بقوله: لنميِّز ونفهم ونعي، فليعد لقراءتي قصيدته “القرار الأخير” في قصيدتي “حُمَّى الشاعر القرني” ليتعلَّم كيف يُقْرَأ النصُّ، وقد تكون لي عودة لتعريفه بالنقا كتابة إملائيَّة ومفهوماً حيث ظنَّ الشيخ النقا شجراً طويلا، وبتصيححات أسلوبيَّة ونحويَّة لمقالته، ليعرف أنَّه الأحوج لما دعا إليه ليميِّز ويفهم ويعي.

 

أمَّا ما برع به الغرب فحدَّده بجوانب الإنتاج الثلاثة وعواملها، فأكثر من طرح أمثلته لتقرير ضعف المشرق العربي فيها، فكأنَّه يخاطب طلاب مدرسة متوسطة لا قرَّاء جريدة واعدة، لذلك سأجلِّي أسباب ذلك وعوامله ممَّا يعرفها الشيخ ويتحرَّج من طرحها ويتهرَّب من إثارتها من كاتب ما.

 

برع الغرب بتلك الجوانب وما يتَّصل بها من بحث علميٍّ فإبداع وابتكارات وتجارب، فعلماؤه المتخصِّصون توجَّهوا ووجَّهتهم جامعاتهم ومراكزهم البحثيَّة في خطط إستراتيجيَّة فتفرَّغوا لذلك مدعومين ماديّاً ومعنوياً دعماً أوصلهم لمستوى بهر الشيخ، فيما المشرق العربيُّ حيث يلقِّب الوعاظ والدعاة والفقهاء أنفسهم بالعلماء موهمين الأمَّة، فشتَّان ما بين علماء الغرب وعلومهم التي أعلتهم في سلَّم الحضارة، وبين علماء المشرق العربي وما أنجزوه بشروحاتهم لمختصرات واختصاراتهم لشروحات وتحقيقاتهم لتلك وتلك، فتصحيح الشيخ لذلك أجدى من سخريه بأمَّته، يصحِّحه مفهوماً، وعملاً تطبيقيّاً في مجال البحث العلميِّ وفق خطواته ومراحله، وأدواته ووسائله، وأساليبه ومناهجه، واقتباساته وتوثيقها وحفظ حقوق أصحابها، وقد أفردت مقالة نشرتها صحيفة المجلس حول قدراراته في البحث العلميِّ ورقاته واقتباساته وتوثيقاته لها، تناولت البحث العلميَّ في كتب الشيخ ودراساته ومؤلَّفاته، فلعلَّه من خلالها استطاع أن يفرِّق بين شهادات علميَّة معترف بها وأخرى غيرها.

 

أمَّا لماذا برع الغرب في ذلك وانكفأ المشرق العربيُّ عن ذلك فيعزى إلى أنَّ علماء الغرب انشغلوا فيما تترقَّى به أممهم فعرفوا طريقه ووضعوا خططه الإستراتيجيَّة فتحقَّقت أهدافهم وغاياتهم، فيما المشرق العربي انصرف علماؤه عن ذلك منشغلين بتصنيف بعضهم البعض تكفيراً وتفسيقاً واتِّهاماً بالعمالة، فليتذكَّر الشيخ ما قاله وما كتبه وآلاف معه من علماء وطلبة علم، فأشرطتهم السمعيَّة ومطويَّاتهم وكتيِّباتهم وبياناتهم محفوظة ليدينهم بها التاريخ والأمَّة يوماً ما، فليتذكَّروا ذلك وسعادتهم بنجاح ثورة الخمينيِّ إذْ قال قائلهم: “الشاه لم تسقطه المدفعيَّة ولا الدبابة وإنَّما أسقطه الشريط والمحاضرة”، وليتذكَّروا دعواتهم لولاية الفقيه، وليقوِّموا كلَّ ذلك فيما تمارسه إيران الآن من تهديدات سافرة للمشرق العربي، وبقفل مضيق العرب وضرب منابع النفط ومنشآته في الخليج العربي،وما تحقَّق لها من بسط نفوذٍ مذهبيٍّ وسياسيٍّ في المشرق العربيِّ.

 

وليتذكَّر الشيخ ورفاقه الدعاة تحريضهم شبابنا للجهاد في أفغانستان والعراق وجمعهم الأموال لتمويلهم، وما انتهت إليه أوضاعها الطائفيَّة، وبمقتل آلاف من شبابنا هناك وعودة آلاف لإرهابنا بتوجيهات مشايخهم.

 

وليتذكَّروا مواجهتهم للدكتور غازي القصيبي بمقالته اليوميَّة في عين العاصفة حين اعتدى صدَّام على دول الخليج، فمواقفهم من حرب الخليج مؤلِّبين ضدِّ سياسات حكومتنا لا تنسى، فذاكرة التاريخ والشعوب لا يمحوها اعتذار للدكتور غازي القصيبي ولا قصيدة تمجيد له ولا تمنِّي لقاءه حينما هدأت العاصفة.

 

شُغل المشرق العربي بفتاوى للحجاب خصِّصت لمسلمات الغرب غيرها لنساء بلادي، فتاوى فضحتها المخرجةُ هيفاء المنصور فتراجع المفتي مبرِّراً ذلك بضغط مشايخه، فهل إسلام الشرق غير إسلام الغرب؟!!، وقد كتبت في الوطن مقالة في هذا الموضوع.

 

ترحَّم الشيخ في قصيدته قرار الجماهير على البرامكة غمزاً وتحريضاً، وذكَّر برائعة فلتير ممارساً دعوةً سريَّة.

 

فيا شيخ تأنَّ فيما تطرحه فقهاً وفكراً وشعراً واعظاً وداعية، فطرح الأمس تتراجع عنه أمس، وقول أمس تغيِّره اليوم، فإنَّ كان ذلك بعامل النضج، فالآخرون يصفونه بالتلَّوِّن وباستثمارك بالإعلام الفضائيّ، وبسط ذلك كفانيه الدكتور خالد السيف في مقالته ويل للدعاة من ربيع قد اقترب (الشرق عددها 25) فليقرأها منشورة حيث تُنْشَر مقالاته.