فكرة في دائرة الخطر

عمر قاسم أسعد

 

قبل أسابيع قليلة نشطت المعارضة الأردنية الخارجية بالتحضير وتوجيه الدعوات لوقفة احتجاجية أمام البيت الأبيض أثناء زيارة الملك ، وقد سبق ذلك الإعلان على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنابر التي تملكها المعارضة الخارجية ، كما سوق لذلك بعض المعارضين والمتضامنين من داخل المملكة .

إن المتتبع لهذا الأمر أصبح يدرك تماما حجم الدعوات والمقالات والتعليقات التي تدعو وبكل وضوح لإسقاط النظام الملكي وبعضهم نادى ـ وبشكل لا لبس فيه ـ  بضرورة الإعلان عن قيام الجمهورية العربية الأردنية .

 

لقد تمت زيارة الملك لواشنطن وكان الكثير يتوقع تواجد عدد لا بأس به من قبل المعارضين لنظام الملك  في الخارج نظرا للضخ الإعلامي الذي قامت به المعارضة هناك ، والبعض يترقب ما سوف تؤول إليه الأمور ، إلا أن التوقعات لم تكن لا بالشكل ولا بالحجم المتوقع ، حضر عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ، قاموا بإحراق صورة الملك  ورفعوا لافتات تدعو لإسقاطه وبعضهم ألقى خطبة تندد بالنظام الملكي، وسرعان ما تبارت الأقلام بالاستهزاء على المعارضة الخارجية وتم نعتهم بأقبح الصفات وتم تصنيفهم على أنهم خونة وعملاء … الخ ، حتى أن شخص من متزعمي معارضة خارجية أخرى أطلق عليهم صفة المراهقين وأن ما ارتكبوه يعتبر فضيحة ،

لا أريد أن أخوض بتفاصيل أكثر ، وأود أن أذكر المتتبعين لمجمل الأحداث التي مرت بالأردن منذ أول حراك ـ في بداية العام المنصرم ـ كان يدعوا لإصلاحات اقتصادية وليس انتهاء بأخر حراك يدعوا للإصلاح السياسي الشامل وما بينهما من إصلاحات اقتصادية ومحاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين والملكية الدستورية وكف يد الأجهزة الأمنية … الخ ، واستمر الحراك متجاوزا كل الخطوط الحمراء بإحراق صورة الملك ورفع شعارات تدعوا لإسقاط النظام ومحاكمته ، وقد بدا ذلك جليا في مواقع التواصل الاجتماعي بكل وضوح .

لقد تلاشت كل الخطوط والألوان لدى بعض الناشطين في الحراك الشعبي  ، واكتسبت بعدا نوعيا وكميا جديدا من خلال الشعارات المرفوعة وانضمام أعداد جديدة للمعارضة التي تطالب بالتخلص من نظام الحكم  . حتى وإن لم تكن هذه الشعارات معلنة من قبل الكثيرين إلا أن في داخلهم حراك أشد  نتيجة الاستياء والفقر والقهر والمعاناة .

استوقفتني عبارة لرئيس الوزراء الخصاونة في أول ظهور إعلامي له عبر تصريح أدلى به للقناة الأكثر مشاهدة في الأردن ( الجزيرة ) تحدث الخصاونة (( إن الأولوية الأولى لهذه الحكومة إعادة الثقة بين النظام والشعب )) .

عندما يتحدث رئيس الوزراء ومن موقعه الرسمي بهذه العبارة فإن لها مضامين وأبعاد ضمن الاعتراف بواقع فقدان الثقة ومن هنا فقد أصابني نوع من الارتياح النفسي والسلوكي حول شخص الخصاونة الذي أملت أن يترجم ما تحدث به إلى واقع ، وبغض النظر عن شخصنة الموضوع أترك ذلك للقارئ ومقدرته على الفهم والإدراك والتحليل والتركيب .

وعودا على مضمون المقال حول ما حدث أمام البيت الأبيض وبغض النظر أيضا عن مدى فشل أو نجاح حراك المعارضة الخارجية إلا أن الحقيقة الواقعة هو وجود فكرة ومضمون يتبناه عدد من الأشخاص ويشاركهم بذلك أعداد أخرى يلتفون حول الفكرة والمضمون ، الفكرة موجودة في عقول المعارضة وأينما كان موقعهم وبغض النظر عن ثقافاتهم وانتماءاتهم ، الفكرة نمت وتطورت ضمن حراك قد بدا خجول ألا أنه ظهر على الأرض وفي الشارع ، وما زالت الفكرة تتلقف المزيد من المؤيدين والمدافعين عنها وبعضهم مصمم على تحقيقها وتنفيذها وتبعا لظروفهم ومواقعهم ، وإن ردة فعل الجهات الرسمية ومن يلتف حولها سيسرع في بلورة أفكار أخرى أكثر خطورة ، ولنتذكر جميعا أن الثورات بدأت من فكرة التف حولها أشخاص بعدد أصابع اليد الواحدة وناضلوا من أجل تحقيقها والتاريخ أكبر شاهد فلنعد إلى التاريخ ولنقرأ عن الثورة الفرنسية التي أطاحت بحكم الملك لويس وزوجته وتم اعدامهما