الشعب يريد حل جامعة الدول العربية

هشام محمد سعيد قربان

 

هل تستجيب الجامعةُ العربيَّة للرَّأي العامِّ للشُّعوب العربيَّة المتألِّمة، ورغبتها في طَرْح مشروعٍ ملزم وفاعل لإنهاء إرهاب الدَّولة الَّذي يُمارسه النِّظام السُّوري الحاكم – بلا خوفٍ أو خجَل – ضد إخوانِهم في سوريا العروبة والإسلام؟

 

يتطلَّع الملايين في عالَمِنا العربي إلى الجامعة بِبَراءة وأمَلٍ وألَم، يريدون المخرج، ويرجون حلَّها، فهذا أوانُ حَلِّها، والكثير يرون ان لا حلَّ إلا في حلِّها!

 

إن المواطن العربِيَّ – الذي يفترض أن تُمثِّل تطلُّعاتِه وآمالَه جامعةُ الدُّول العربية – لا يرى جزمًا أيَّ أثرٍ يُذكَر، أو فائدةً تُرجى من اجتِماعات الجامعة العاجلة، وتَصْريحاتها الرنَّانة، وفريق المُراقبين، وحراكها الَّذي لَم يُفْلِح في تغيير شيءٍ في مُعادَلة العنف والبَطْش، والقتل والخوف في حِمْص والقامشلي والرَّستن ودير الزُّور وأنحاء عديدة ومُتزايِدَة في الجسَد السُّوري الشقيق.

 

ولا يَزيد مُرور الوقت المَوْقف السُّوري إلاَّ دمويَّة ومأساويَّة، ويعلو مؤشِّر المعاناة الإنسانيَّة للشعب السوريِّ أمام أنظار العالَم أجمَع، وتتضخَّم بلا خجَلٍ أعدادُ القَتْلى والجرحى والمُروعين والهاربين والمهاجرين، ويستمرُّ لأشهرٍ طوال مسلسلُ اغتِصاب العِفَّة والحرية والكرامة والأمل على أيدي (شَبِّيحة) النِّظام السوري وجيشه وجنوده وأعوانه، والجامعة الموقَّرة – كما عوَّدَتْنا – تُواصل عمَلَها الرَّتيب ولقاءاتها واتِّصالاتها ومشاوراتها المعتادة، وكلها أمَلٌ في أن تثمر جهودُها العاديَّة نتائِجَ مذهلة وآثارًا تفوق الوصف والخيال.

 

لعلَّ آمال وتطلُّعات الشُّعوب العربيَّة المسلمة أخطأَت العُنْوان، أليست هذه جامعة الدُّول العربية؟

 

أتعمل جامعة الدُّول العربية لنا ولأجلنا ومصالحنا وخيرنا كشُعوبٍ تحسُّ وتشعر وتتألَّم وتبكي لِمُصاب إخواننا في الدَّم والدِّين؟ أم هي – لا سمحَ الله – تعمل علينا وضدَّنا وتُعِين مَن يُعادينا؟

 

يا لَها من حيرةٍ مَمْزوجة بآلامٍ مبرحة، مَطْعونة بأنَّات الثَّكْلى والأرامل، تَحْرقها دُموع اليتامى، حيرة مؤرِّقة تدفَعُنا لزيارة الوَثائق ومراجعة ذاكرة التَّاريخ، لِنَقلب الصَّفحات بأنفاس الشَّك؛ رغبةً في الفَهْم، وتجديد الفهم، وتصحيحه، والبحث عمَّا يسمُّونه حقيقةً أو حقائق في عالَمِ المُتناقِضات المخزي، وتلقى المرساة في أمواج القاهرة، وتتَّجه الأبصار إلى ذلك الميثاقِ التَّاريخي المهيب.

 

ما هذا الكيان الذي يسمُّونه جامعة الدُّول العربيَّة؟

 

ما ميثاقه؟ وهل يذكر ويركِّز على حقِّ الشُّعوب في الحياة الكريمة؟ وكم مرَّةً ذكَرَ فيه وفي ثناياه كلمة “شعب” أو “إنسان”؟

 

ما إنجازاته في أرض الواقع؟

 

ماذا تعني كلمة جامعة؟ وعلامَ وفيم وإلامَ وإلى أين اجتماعُهم؟

 

ماذا تعني كلمة الدُّول؟

 

هل يقصد بكلمة دول: الشُّعوب؟ إنْ صحَّ هذا القول فهذه الجامعة – حسب فَهْمِنا – هي جامعةٌ للشُّعوب العربيَّة؟ هل هذا صحيح؟

 

وإن صحَّ كونُها جامعةً للشُّعوب العربية؟ فلِمَ لَم يَدْعوا جاري أو يُشاوروه في أمورهم؟ فاسْمُه “قَحْطان بن يَعْرُب”، ويتابع بشغفٍ واهتمام أخبارَ العرب من لندن على قناة BBCكلَّ يومٍ عدَّة مرَّات، منذ سنَة النَّكبة أو قبْلَها بقليل؟

 

أم إنَّ مفهوم الدُّول هنا مقزم أو مُهمَّش، ومَقْصور على الحكومات؟ فالشُّعوب العربية جاهلةٌ قاصرة خاملة، ولا بُدَّ من مُمثِّلين لها، أو عَنْها في المَحافل والحفلات الدَّولية.

 

حاشا أن يكون غير الفَهْم مَقْصدنا، ولْنَتأمَّلْ فقراتٍ ومَقاطِعَ من هذا الميثاق الغليظ، كما يُسمِّيه أهل الشَّام الكرام ( فرج الله عنهم) :

 

في السَّطر الثامن من مُقدِّمة ميثاق الجامعة: “تثبيتًا للعلاقات الوطيدة والرَّوابط العديدة التي تربط بين الدُّول العربية، وحرصًا على دعم هذه الرَّوابط وتوطيدها على أساس احترام استِقْلال تلك الدُّول وسيادتها، وتوجيهًا لجهودها لِما فيه خيرُ البلاد العربيَّة قاطبة، وصلاح أحوالها، وتأمين مُستقبلها، واستجابة للرَّأي العامِّ في جميع الأقطار العربيَّة”.

 

ويتَّهِمُني جاري ابن يَعْرب – بِعجَلتِه المعروفة – بالتقوُّل عليهم بهذا الكلام الجميل والوعود المعسولة، فأطلعه مباشرة – وبلا وسيطٍ مداهن – على أصل الميثاق المَنْشور على الموقع الرسميِّ، فيسكت وتُلْجِمه الدَّهشة – وإيَّاي، إذا كان هذا كما يبدو فلِمَ تبدو الأمور وتَجْري وتُدار على غير ما نرجو ونَصْبو؟ أم إنَّ الأمور غير الأمور، والكلمات كلماتٌ فحَسْب؟

 

وتُسابقني عينا جاري اليعربيَّة في تقليب الصَّفحات، وتتسمَّر عيناه لِمَرأى فقرةٍ تَفوق أختَها عجبًا وروعة، فقرة تستفِزُّ ألفَ سؤالٍ وسؤال من ألْفِ ألفِ ألف سائلٍ من الشَّام إلى تطوان:

 

“المادَّة الثامنة: تحترم كلُّ دولةٍ من دول الجامعة نظامَ الحكم القائم في دول الجامعة الأخرى، وتعتبره حقًّا من حقوق تلك الدُّول، وتتعهَّد بأن لا تَقوم بعملٍ يَرمي إلى تغيير ذلك النِّظام فيها”.

 

ويتعَجَّل جاري بكلامٍ وفَهْم خطير، منه شرَرٌ يطير، فأُسْرع بِتَكميم فيه بيدي؛ لئلاَّ يندم أو يدمن عليه، وتُغالبني بعضُ كلماته، فيَسْمعها بعضُ مَن حولي.

 

يقول جاري: “أتَعْنِي هذه الفقرة: أنَّ الجامعة الموقرة – مُلزَمة حسبَ ميثاقها الغليظ – أن تحترم نِظام الظُّلم والقتل والخوف في الشام، وتعتبره حقًّا من حقوق دولة سوريا (ذَكِّروني فقد نسيت، ماذا تعني كلمةُ دولة؟ أتَعْني الشَّعب السُّوري أم النِّظام السوري؟)، ويَهْدر لسانُ جاري ويهذر بكلمات قويَّة غوية – غير محسوبةٍ كعادته – وأنقذ القُرَّاء منها، وحمى براءتهم النقيَّة كفِّي المبارك، فأسكته قبل أن يعضَّنِي عضَّة يعربية موجعةً لا تُنسَى!

 

وتخفت أصواتُنا، ونبدأ في التلَفُّت حولنا، وما حولنا إلاَّ الجدران.

 

ويهبُّ جاري إلى مقبس الكهرباء، فيَنْزعة شرَّ نزعة، فتُظْلِم صفحة الحاسوب، وتَخْتفي في ظلمة الأعماق كلماتُ ذلك الميثاق.

 

ويُخاطبني جاري بصوتٍ عالٍ جدًّا، قائلاً لي – ولكلِّ مَن يسمع أو يظنُّ أنه يسمع -: اترك هذه التَّرهات المزعومة، والافتراءات المَلْغومة، فالجامعة أكبَرُ وأوقر، وما مخرج الكرام، ومنقذ أهل الشَّام من القوم اللِّئام، إلا في حلِّ جامعة الدُّول العربية، حل جذري، فهذا ما يُريد الشَّعب، وما تريده كلُّ الشعوب العربيَّة الأبِيَّة، وعلى كلِّ مَن لَم يفهم هذا الحلَّ أن يَسأل الشَّعب؛ فهو مَن يريد حلَّها ويدعو إليه، فهل يَسْمعون وهل يفهمون؟ البعض يشكُّ في ذلك، هداهم الله.